تنفيذ الأحكام خارج نطاق السلطة

في أخطر لحظات انهيار المجتمعات، لا يُسفك الدم فقط بالسلاح؛ بل بالفكرة المنحرفة حين تنفصل العدالة عن مؤسساتها، وتُنتزع الأحكام من سياقها، ويتحول تنفيذها إلى أفعال فردية أو جماعية أو قبلية أو حزبية، خارج إطار السلطة الشرعية والقانونية.

ذلك هو المشهد الذي تبدأ فيه الفوضى متخفية بلباس الحق، ويتحول فيه العدل – من حيث لا يشعر أصحابه – إلى أداة هدم؛ لا إصلاح.

تنفيذ الأحكام خارج نطاق السلطة ليس بطولة، ولا غيرة محمودة، ولا نصرة للمظلوم كما يُتصوَّر؛ بل هو أن يتولى الأفراد أو الجماعات إقامة العقوبة أو استيفاء الحق دون تفويض معتبر، ولو حسنت النيات، ولو رُفعت الشعارات، ولو استُند إلى حكم صحيح في أصله. فالحق لا يُقاس بسلامة المقصد وحدها؛ بل بسلامة الطريق إليه.

إن العدالة منظومة متكاملة؛ لا فكرة عاطفية عابرة. منظومةٌ تحفظ الحقوق، وتمنع الظلم، وتغلق أبواب الانتقام. فإذا اختل ميزانها؛ تكسرت الأمانات، وتداخل الحق بالباطل، وسالت الدماء باسم القصاص، وضاعت الحقوق باسم الإنصاف.

ولهذا جاء المبدأ الإسلامي واضحا وحاسما: الدولة – بما تمثله من سلطان وقضاء – هي الجهة الوحيدة المخوّلة بتنفيذ الأحكام؛ حماية للناس من أهواء المنتقمين، وصيانةً للضعفاء من بطش الأقوياء، وحفظًا للعدل من التحول إلى فوضى. فالسلطة في الإسلام ليست امتيازا ولا تشريفا؛ بل تكليف ومسؤولية، أُقيمت لحفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعِرض.

وقد جمع القرآن بين الولاية والحكم، وبين الأمانة والعدل، في تأسيسٍ لا يقبل الفصل بين السلطة والمسؤولية. وربط الطاعة بأولي الأمر ربطًا مقصودا، حتى لا يتحول المجتمع إلى ساحة تصفية، ولا يُستباح الحق باسم الغيرة.

وجاء البيان النبوي قاطعًا في تحديد موقع السلطة من المجتمع، حين قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ»؛ فالإمام – أي السلطة – هو الساتر بين الناس والفوضى، والحاجز الذي يمنع أن يتحول كل فرد إلى قاضٍ وجلاد.

إذا فُتح باب تنفيذ الأحكام خارج السلطة؛ فاعلموا أن المجتمع يسير إلى هاوية لا قرار لها:

– انهيار الاستقرار الاجتماعي؛ تتحول الخلافات إلى صدامات، والشوارع إلى ساحات تصفية، وتصبح العدالة رهينة القوة لا الحق.

– ضياع ميزان العدل؛ القوي يفرض رؤيته، والضعيف يُقصى، فيُعاقَب البريء ويفلت المجرم.

– اختلاط الحق بالباطل؛ يضيع الفرق بين القصاص والانتقام، وبين الحكم الشرعي والتشفي.

وقد حذّر النبي ﷺ من استباحة الدماء بغير حق، فقال: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».

هنا تتعاظم المسؤولية على طرفين لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ العلماء، ببيان الحق، ومنع تديين الفوضى، وعدم تبرير الافتيات على السلطة باسم الحسبة أو الغيرة. والحكام، بحماية القضاء، وتسريع العدالة، وملء الفراغ الذي يدفع الناس إلى أخذ الحق بأيديهم.

وقد أجمع أهل العلم على أن تنفيذ الأحكام من خصائص السلطان والقضاء؛ لا الأفراد. يقول الإمام النووي: «أجمع العلماء على أن إقامة الحدود إلى الأئمة ونوابهم».

الخلل لا يولد من فراغ؛ فتأخر القضايا، وتعطيل الشكاوى، وضعف الوعي القانوني، وغياب المساءلة، وانتشار الفساد؛ كلها عوامل تدفع بعض الناس – يأسا أو غضبا – إلى البحث عن “عدالة بديلة”؛ لكنها عدالة عمياء، لا تعرف ميزانا ولا رحمة، ولا تنتج إلا ظلمًا جديدا.

إن واجب الدولة؛ إذا أرادت حفظ الأمن وصيانة الدماء، أن تُحاسب كل من ينفذ حكمًا خارج إطارها، كائنا من كان، وبأي ذريعة كانت. فالتساهل هنا ليس رحمة؛ بل خيانة للعدل، وإشعال لنار الفتنة.

والمحاسبة ليست انتقامًا؛ بل حماية للمجتمع، وصيانة لهيبة القضاء، ورسالة واضحة أن الحق لا يُؤخذ بالقوة، ولا يُقام بالفوضى.

وقد لخّص النبي ﷺ معنى النصرة الحقيقية حين قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا… تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَاكَ نَصْرُهُ».

إصلاح العدالة لا يكون بالخروج عليها؛ بل بتقويتها. بتعزيز الثقة بالقضاء، ومكافحة الفساد، وتدريب القضاة، وتسريع الفصل في القضايا، وتكامل دور الدولة مع العلماء والإعلام والمجتمع. وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها».

إن العدل لا يعيش بلا نظام، ولا يُحمى بلا سلطة، ولا يُصان بالعواطف. والخروج على منظومة العدالة – ولو بدافع الحق – كسر للسياج الذي يحمي الجميع، وفتحٌ لبابٍ لا يُغلق.

حين يُنفَّذ الحكم عبر مؤسساته؛ يبقى الحق حقًا، والعدل عدلا، والسلطة في خدمة الناس. وحين يُنتزع الحكم من سياقه؛ يُغتال العدل باسم العدل، وتلك بداية الخراب.

نسأل الله أن يصلح البلاد والعباد، ودمتم سالمين!