الوطنية عبادة إذا تُرجِمت عملا

بقلم: حسن الكنزلي

ليس الوطن قطعة أرضٍ تُداس، ولا خطوطا تُرسَم على الخرائط؛ الوطن معنى يسكن القلب، وأمان يحتضن الإنسان، ورسالة تُؤدَّى؛ قبل أن تُرفَع لها الرايات. هو الأمّ؛ حين تضيق الدنيا، والذاكرة؛ حين تتكسّر الأيام، وهو الإطار الذي تُصان فيه الكرامة، وتُؤدَّى فيه الحقوق، وتُقام فيه الفرائض؛ لذلك لم يكن حفظ الأوطان شأنا سياسيّا مجردا؛ بل أمانة دينية وأخلاقية؛ إذ لا دين يُقام في فوضى، ولا عدل يُرجى في خراب.

الوطنية ليست هتافا يُردّد، ولا صورة تُعلَّق، ولا موسما يُستدعى عند الشدائد ثم يُنسى. الوطنية الصادقة قيمة سلوكية تُقاس بالفعل؛ صدقا في الوظيفة، أمانة في التجارة، عدلا في القضاء، رحمة في القيادة، وبذلا في كل موقع. هي انتماء يُختبر؛ حين تغيب الرقابة، ويُمحَّص؛ حين لا يراك أحد.

وحبّ الوطن فطرة جُبلت عليها القلوب؛ لا يُلام عليها أحد؛ لكن العبادة المقاصدية أن يتحوّل هذا الحبّ إلى نية صالحة وعمل نافع يُرضي الله وينفع الناس. فالفطرة شعور، والعبادة سلوك؛ الفطرة عاطفة، والعبادة مسؤولية.

يربّي الوحي معنى الانتماء العملي لا اللفظي؛ فالنصيحة والحرص على الجماعة، والعمل المنظَّم الذي يعود نفعه على الجميع، هي لبّ الوطنية. هكذا تُبنى الأوطان: تنظيم، وإتقان، ونفع متعدّ، بلا أنانية ولا احتكار. وعمارة الأرض ليست استغلالا ولا إفسادا؛ بل إصلاح وعدل وحفظ للمقاصد الكبرى: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والكرامة. فإذا ضاعت الأمانة؛ ضاع المال، وإذا استشرى الظلم؛ أُريق الدم، وإذا فُسِد العقل؛ ضاعت الأجيال، وإذا انتُهِكت الكرامة تهدّم المجتمع.

العمل الصالح يتّسع ليشمل كل نفعٍ صادقٍ يُبتغى به وجه الله: في الإدارة، والتعليم، والطب، والصناعة، والحراسة، والإصلاح بين الناس. النيةُ تُغيّر الموازين؛ فالموظف إذا خدم الناس بإخلاص كان في عبادة، والتاجر إذا سدَّ حاجة المجتمع بلا غشّ ولا احتكار كان في عبادة، وربّ الأسرة إذا حفظ من يعول كان في عبادة. فميزان الوطنية هنا بسيط وعميق: مقدار نفعك للناس؛ لا ضجيج كلماتك.
والإخلاص روح العمل، والإتقان جسده؛ لا أثر بلا إتقان، ولا قبول بلا إخلاص.

التاجرُ الوطني لا يجعل السوق ساحة افتراس؛ بل ميدان عدل ورحمة؛ يوفّر الحاجات، ويرضى بالربح الحلال، ويأبى الغش والاحتكار. والموظف والمسؤول لا ينتظر الرقيب؛ لأن ضميره حي، يعلم أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن تأخير الحقوق ظلم.
والقاضي الوطنيّ ميزانه العدل، لا يميل لهوى ولا سلطان؛ فبعدل القضاء يطمئن الناس، وبظلمه تتفكك المجتمعات. ورب الأسرة وطني حين يحفظ بيته؛ فالأسرة المستقرة أساس الوطن المتماسك. والجندي المخلص يحمي وطنه دفاعا لا عدوانا، يعرف أن القوة أمانة، وأن السلاح مسؤولية. والعالِم والطبيب وكل صاحب مهنة وطني إذا صدق وأتقن وبذل؛ فبالعلم تُهدى العقول، وبالطب تُحفظ الأرواح، وبالإتقان يُصان العمران.

ولا وطنية بلا عدل، ولا استقرار بلا حقوق. والوطنُ الذي تُهان فيه الكرامة يتآكل فيه الانتماء. وصيانة الإنسان أساس الولاء، ومقاومة الظلم واجب وطني وشرعي؛ فالركون إلى الظالمين هدم صامت للأوطان. العدلُ هو السياج الذي يمنع الانفجار الداخلي، والكرامة هي الوقود الذي يدفع الناس للدفاع والبناء.

الوطنية الحقّة لا تقف عند المشاعر؛ بل تبدأ حين يتحول الحب إلى مشروع، والانتماء إلى بناء مؤسسيّ منظم. لا بركة في فوضى، ولا نهضة بلا إتقان، ولا دولة تقوم بتهميش الكفاءات أو تقديم الولاءات على القدرات. القوةُ بلا أمانة فساد، والأمانةُ بلا كفاءة عجز؛ وباجتماعهما تُبنى الدول وتنهض الحضارات.

الأزمات لا تُسقِط الأوطان؛ إنما تُسقِطها ردود الفعل الخاطئة. في الشدائد تُختبر الوطنية؛ صبر واع لا جمود، وثبات حكيم لا تهوّر، وحسن تدبيرٍ يُحسن ترتيب الأولويات. الوطنية في الأزمات تحمّل مسؤولية لا تبادل اتهامات، وحكمة تجمع الصف ولا تمزّقه؛ فالاختلاف سنّة، والتنازع كارثة.

ليست كل دعوى وطنية حقا؛ فالوطنية إن لم تُضبط بالقيم انقلبت تعصّبا، وإن لم تُهذب بالأخلاق صارت أداةَ ظلم. نحب أوطاننا بلا تقديس للأشخاص، وبلا تبريرٍ للأخطاء، وبلا اصطفافٍ أعمى ضد الحق. وطن يخدم القيم، وقيم تحفظ الوطن؛ فلا ذوبان في الآخر، ولا استعلاء عليه.

الوطن لا ينتظر الخارقين؛ بل ينتظر الصادقين. كل في موقعه خادم لوطنه؛ في المصنع، والمدرسة، والمستشفى، والمزرعة، والبيت. النية الصالحة تصنع الأجر والأثر؛ وبها يتحوّل الجهد اليومي إلى عبادة، والعمل العادي إلى صدقة.
ابدأ من حيث أنت؛ أدِّ واجبك بإخلاص، وأتقن عملك بصدق؛ فهكذا تُبنى الأوطان، وتسمو الوطنية من شعار إلى عبادة وعمران.

نسأل الله أن بجعل حبَّ وطننا عبادة له، وخدمتَه طاعة له، والسعيَ في إصلاحه قُربة إليه. وأن يوفّقنا لأداء الأمانات، وإتقان الأعمال، ونفع العباد، وأن يجعلنا مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر. ودمتم سالمين!