هيكلة القوات الجنوبية.. بين مخاوف التفكيك ومخاطر الرفض
لم يعد الحديث عن هيكلة القوات المسلحة ودمج تشكيلاتها تحت مظلة واحدة ترفًا سياسيًا أو نقاشًا نظريًا، بل تحوّل إلى مطلب عملي يفرض نفسه على الواقع الجنوبي في ظل التحولات الأخيرة في المشهد، وفي مقدمتها خروج الإمارات من موقع التدخل المباشر في إدارة الملف الأمني، وما ترتب على ذلك من فراغات وتحديات معقدة تتعلق بمستقبل القوات الجنوبية وخياراتها.
تباينت المواقف الجنوبية تجاه هذا المطلب؛ فبعض الأصوات ترى في الهيكلة تهديدًا مباشرًا لما تحقق خلال السنوات الماضية، وتخشى أن تقود إلى فقدان القرار أو تفكيك القوة. في المقابل، يرى آخرون أن رفض الهيكلة قد يكون أخطر من القبول بها، لما يحمله من تبعات أمنية واقتصادية لا يمكن التقليل من خطورتها.
ومن منظور واقعي، يواجه التفكير في الرفض أسئلة محرجة: كيف يمكن ترك آلاف الجنود دون رواتب أو غطاء مالي وسياسي واضح؟ وما الذي سيحدث حين يتحول الجندي دون راتب إلى عنصر ناقم في بيئة تعج بالسلاح؟ إن أخطر نتائج هذا المسار لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى أبعاد أمنية واجتماعية قد تفتح الباب أمام فوضى يصعب السيطرة عليها.
في المقابل، لا يعني القبول بالهيكلة أو الانخراط في الحوار الجنوبي التنازل عن الحقوق أو شطب القضية الجنوبية، بقدر ما قد يمثل محاولة عقلانية لإدارة مرحلة انتقالية معقدة، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى صدامات داخلية جنوبية–جنوبية.
وتعكس تجربة شبوة حجم الإرباك القائم؛ فبين الترحيب بالحوار واللجان المكلفة بالتنفيذ، وبين التريث في تسليم بعض المواقع بذريعة الحفاظ على الاستقرار، تتجلى حالة الخوف من المجهول والرغبة في كسب الوقت. غير أن الوقت، في المراحل الحساسة، لا يعمل دائمًا لصالح المترددين.
ولا يمكن إغفال أن جزءًا واسعًا من الجنوبيين فقدوا الثقة بمشروع الوحدة نتيجة تجارب سابقة واتفاقات لم تُحترم، من اتفاق الوحدة إلى وثيقة العهد والاتفاق، وصولًا إلى اتفاق الرياض. هذا الإرث يفسر تشدد بعض المواقف. غير أن في المقابل من يرى أن تغيّر التوازنات الإقليمية، وسقوط أنظمة، وخروج داعمين، يفرض قراءة جديدة للحاضر، لا الاكتفاء باستدعاء الماضي.
وخلاصة القول، قد لا يكون هناك خيار مثالي، لكن القرار الأكثر عقلانية هو ذاك الذي يقلل الخسائر، ويمنع الانفجار الداخلي، ويحافظ على الحد الأدنى من التماسك، ويترك أبواب المستقبل مفتوحة بدل إغلاقها بالشعارات. فالهيكلة لا تعني بالضرورة الذوبان، كما أن رفضها لا يعني الصمود، بل قد يقود إلى فوضى يدفع ثمنها الجميع.


