علبة المبيد ليست زجاجة عطر
في مشهدٍ يختصر حجم الخلل في الممارسات الزراعية، صادفتُ أحد المزارعين داخل صيدلية زراعية، يتنقل بين عبوات المبيدات، يتأمل الأشكال والألوان، ويفاضل بينها كما لو كان في متجر للعطور. سألته..
عمّ تبحث؟ فأجاب بكل بساطة: أبحث عن علبة يكون شكلها حلو !
هذا المشهد ليس مجرد موقف عابر، بل هو مؤشر خطير على غياب الوعي الزراعي السليم، وتحول قرار استخدام المبيدات من قرار علمي مدروس إلى سلوك عشوائي تحكمه المظاهر ...
المبيد الزراعي ليس سلعة تجميلية، بل أداة دقيقة تُستخدم ضمن منظومة متكاملة لحماية المحاصيل. اختيار المبيد يجب أن يُبنى على أسس علمية واضحة، تبدأ بتشخيص نوع الآفة بدقة، ومعرفة دورة حياتها، ثم اختيار المادة الفعالة المناسبة، وتحديد الجرعة والتوقيت الصحيحين للتطبيق.
إن الاعتماد على شكل العبوة أو شهرة المنتج دون فهم علمي يؤدي إلى نتائج كارثية، أبرزها فشل عمليات المكافحة، واستمرار انتشار الآفات، بل وتفاقم المشكلة مع مرور الوقت. ومن أخطر ما نواجهه اليوم هو تطور ما يُعرف بـمقاومة الآفات للمبيدات، حيث تصبح الحشرات قادرة على تحمل المواد الكيميائية نتيجة الاستخدام الخاطئ والمتكرر لنفس المبيد أو لمبيدات غير مناسبة.
ولعل ما يؤكد ذلك، هو ما نشاهده في الحقول من تكرار عمليات الرش ثلاثًا أو خمس مرات على نفس المحصول دون تحقيق أي نتيجة تُذكر، في حين تستمر الآفات في الانتشار وكأن شيئًا لم يكن. هذا ليس دليلاً على قوة الآفة فحسب، بل على ضعف الإدارة الزراعية وسوء استخدام المبيدات.
إن هذه الظاهرة تستدعي وقفة جادة من الجهات المختصة، بدءًا بتفعيل دور البحوث والإرشاد الزراعي، والجهات الزراعيه ذات العلاقه ومرورًا بتنظيم بيع وتداول المبيدات، وانتهاءً بتوعية المزارعين بخطورة الاستخدام العشوائي، ليس فقط على الإنتاج، بل على صحة الإنسان والبيئة أيضًا.
كما أن على الصيدليات الزراعية أن تتحمل مسؤوليتها المهنية، فلا تكتفي بالبيع، بل تقدم النصح والإرشاد، وتوجه المزارع نحو الاختيار الصحيح المبني على المعرفة لا على الشكل.
الزراعة علم، والمبيدات سلاح ذو حدين، إما أن تُستخدم بوعي فتنقذ المحصول، أو تُستخدم بجهل فتدمره… ومعه صحة الإنسان والتربة والبيئة.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
1مارس 26,م


