رؤية الائتلاف الجنوبي ودعمها للحوار الجنوبي–الجنوبي المنعقد في الرياض
نتقدم للمملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً بخالص الشكر والتقدير على استضافتها الكريمة لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في خطوة تعكس حرصها الصادق على دعم جهود السلام والاستقرار في اليمن عمومًا وفي الجنوب على وجه الخصوص. ويأتي هذا المؤتمر استجابةً لدعوة فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي لكافة القوى والمكونات السياسية الجنوبية من أجل إطلاق حوار مسؤول يضع مصلحة الجنوب فوق كل الاعتبارات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها التوافق والشراكة.
وفي ظل التحولات السياسية والعسكرية المعقّدة التي تشهدها الساحة اليمنية عمومًا والجنوبية على وجه الخصوص تبرز الحاجة الملحّة إلى مشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية وينهي دوائر الصراع البيني التي أضعفت الموقف الجنوبي وأرهقت المجتمع ومن هذا المنطلق تبرز رؤية الائتلاف الوطني الجنوبي كإطار سياسي واستراتيجي يسعى إلى لمّ الشمل وتغليب منطق الحوار وتثبيت مقاربة واقعية متزنة تُوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات المرحلة.
ويأتي مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي المنعقد في الرياض كاستحقاق تاريخي تراهن عليه القوى العاقلة والمسؤولة لتأسيس مرحلة جديدة عنوانها التوافق لا الإقصاء والبناء لا الهدم بعد سنوات من الانقسام والتباين في الرؤى وتعدد مراكز القرار.
إن السياق السياسي والاستراتيجي للحوار الجنوبي–الجنوبي يشكل أساسًا متينًا للانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك خصوصًا بعد أن عانت القضية الجنوبية من تراكمات تاريخية وصراعات سياسية متعددة الأوجه تفاقمت بفعل الحرب وتعدد مراكز القرار وتباين الرؤى بين المكونات السياسية والاجتماعية. وقد أثبتت التجارب السابقة أن أي مقاربة أحادية أو إقصائية لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتُضعف القدرة على تحقيق مكاسب سياسية مستدامة تخدم تطلعات أبناء الجنوب من هنا يكتسب هذا الحوار أهمية استثنائية بوصفه آلية لتصحيح المسار تعيد الاعتبار للتوافق كأداة راشدة لإدارة الخلاف وتحويل التعدد السياسي إلى مصدر قوة لا سببًا للصراع والاحتراب.
وتنطلق رؤية الائتلاف الوطني الجنوبي من مبادئ واضحة تشكل الإطار الناظم لموقفه الداعم للحوار وفي مقدمتها الإيمان الراسخ بأن الجنوب يتسع لجميع أبنائه وأن أي تمثيل عادل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إشراك مختلف المكونات دون إقصاء أو تهميش كما تؤكد الرؤية على نبذ الإقصاء والتخوين واعتماد خطاب سياسي مسؤول يُعلي المصلحة العامة ويُجنّب المجتمع الجنوبي خطاب الكراهية والاستقطاب الذي أثبت فشله إلى جانب ترسيخ دولة المؤسسات عبر الانتقال من منطق المعالجات الآنية وردود الفعل إلى بناء مؤسسي مستدام يضمن سيادة القانون والمساءلة وحسن إدارة الموارد مع تبني واقعية سياسية متزنة تواءم بين الطموحات الوطنية المشروعة والممكن السياسي والاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي ضمن ثوابت وطنية واضحة لا تقبل المساومة.
ويأتي دعم الائتلاف الوطني الجنوبي لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض انطلاقًا من اعتبارات سياسية واستراتيجية متعددة في مقدمتها أن انعقاد الحوار في المملكة العربية السعودية الشقيقة يوفر بيئة آمنة ومحايدة ومستقرة مدعومة بعلاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية وثيقة إضافة إلى ما توفره من ضمانات سياسية وتنظيمية تُخفف من ضغوط الاستقطاب المحلي. كما يشكل المؤتمر منصة جامعة لتقريب وجهات النظر وصياغة أرضية مشتركة تعزز وحدة الصف الجنوبي وتقوي الموقف التفاوضي في مختلف الاستحقاقات القادمة ويُعد التوافق الداخلي شرطًا أساسيًا لأي نجاح سياسي أو تفاوضي خارجي والحوار الجاد هو الطريق الأقصر لبناء الثقة وتعزيز التماسك المجتمعي فضلًا عن أن التوافق الواسع يمنح مخرجات الحوار شرعية مجتمعية وسياسية ويقلل من فرص الطعن أو التفكيك ويعزز فرص تنفيذها على أرض الواقع.
إن نجاح مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي بدعم فاعل ومسؤول من المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية والمجتمع الدولي يفتح آفاقًا استراتيجية واسعة من أبرزها إعادة هندسة المشهد السياسي الجنوبي على أسس توافقية تُنهي حالة التشظي والانقسام وتحسين إدارة الملفين الأمني والعسكري عبر ضبط العلاقة بين السياسة والسلاح وتغليب منطق الدولة والمؤسسات إضافة إلى تعزيز فرص السلام الشامل من خلال تقديم نموذج جنوبي قادر على إدارة خلافاته الداخلية بالحوار لا بالعنف وجذب مزيد من الدعم الإقليمي والدولي عبر خطاب موحد ورؤية سياسية واضحة المعالم.
ولا يخلو أي مسار حواري من تحديات حقيقية أبرزها ضعف الثقة المتبادلة ومحاولات التشويش وتضارب المصالح إلا أن رؤية الائتلاف الوطني الجنوبي تؤكد على أهمية بناء إجراءات ثقة تدريجية وملموسة بين الأطراف المشاركة وجعل شفافية إدارة الحوار ومخرجاته أولوية قصوى مع إشراك النخب المجتمعية والقبلية والمرأة والشباب لضمان شمولية التمثيل والالتزام بآليات تنفيذ واضحة وجدول زمني واقعي ومتفق عليه بما يضمن الانتقال من الحوار إلى الفعل.
إن ترحيب الائتلاف الوطني الجنوبي لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي المنعقد في الرياض لا يُعد موقفًا تكتيكيًا عابرًا بل خيارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا عميقًا بمتطلبات المرحلة ودقة التحديات فالحوار اليوم ليس ترفًا سياسيًا بل ضرورة وطنية لإنقاذ الجنوب من دوامة الصراع وبناء مستقبل يقوم على الشراكة والعدل وسيادة القانون وحده التوافق القائم على رؤية واضحة وإرادة صادقة كفيل بتحويل التحديات إلى فرص حقيقية ووضع الجنوب على مسار الاستقرار والتنمية المستدامة.
أمين سر الائتلاف الوطني الجنوبي – محافظة أبين
الأستاذ/ جهاد حفيظ


