التمويل الأصغر على حافة المخاطر.. رقابة مطلوبة قبل فوات الأوان

بقلم / المحاسب القانوني معاذ عبدالواحد الصبري
نقيب المحاسبين – رئيس مركز المستشارين اليمنيين


في ظل التوسع المتسارع لبنوك ومؤسسات التمويل الإسلامي الأصغر، وما يصاحبه من حملات إعلانية مكثفة وزيادة في منح التمويلات، تبرز مخاوف جدّية بشأن سلامة هذا التوسع، خصوصًا في بيئة اقتصادية تعاني من هشاشة السيولة وارتفاع مستويات المخاطر.


ويُسوَّق هذا التوسع باعتباره دعمًا للشمول المالي وتحفيزًا للأنشطة الصغيرة، غير أن الواقع يثير تساؤلات حقيقية حول مدى التزام بعض هذه المؤسسات بمتطلبات السلامة المصرفية، وقدرتها الفعلية على إدارة المخاطر المتراكمة في بيئة غير مستقرة.


لا خلاف على أن التمويل الإسلامي الأصغر يُعد أداة مهمة لتعزيز الشمول المالي ودعم المشاريع الصغيرة، إلا أن تحويله إلى سباق توسع غير منضبط، دون ضوابط احترازية صارمة، قد يقود إلى نتائج عكسية. فالإشكالية لا تكمن في التمويل الأصغر بحد ذاته، بل في التوسع غير المحسوب الذي قد يتحول إلى عبء على القطاع المالي بدل أن يكون رافعة تنموية.


إن النمو السريع، إذا لم يُدعّم بإدارة فعّالة لمخاطر السيولة والائتمان، يضع المودعين والمستثمرين أمام مخاطر لا تعكسها الحملات الإعلانية الوردية، ويقوّض الثقة في القطاع المصرفي الإسلامي ككل.
إدارة مخاطر السيولة.. حجر الأساس
تُعد مخاطر السيولة من أخطر التحديات التي تواجه بنوك التمويل الأصغر، نظرًا لاعتمادها على محافظ تمويل قصيرة الأجل، وقاعدة عملاء شديدة الحساسية للأزمات. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى:
إعداد مصفوفات دقيقة لرصد مخاطر السيولة، تُحدَّد فيها مصادر المخاطر واحتمالات وقوعها وآثارها.


إجراء اختبارات ضغط دورية لقياس قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها في حال زيادة السحوبات أو تعثر التحصيل.
وجود خطط تمويل طارئة لمواجهة السيناريوهات غير المتوقعة.
إن غياب هذه الأدوات لا يهدد سلامة المؤسسات فحسب، بل ينعكس سلبًا على ثقة الجمهور في القطاع المالي الإسلامي برمته.
تساؤلات مشروعة


وهنا يبرز تساؤل جوهري:
هل تمتلك بنوك التمويل الأصغر مصفوفات فعلية لرصد مخاطر السيولة؟ وهل تُجري اختبارات ضغط حقيقية أم تكتفي بإجراءات شكلية؟
إن التوسع في منح التمويل دون خطط طوارئ واضحة واختبارات تحمّل واقعية يُعد مقامرة مباشرة بأموال المودعين، ويقوّض أسس الاستقرار المصرفي.


الإدارة الحصيفة والحوكمة الرشيدة
الإدارة الحصيفة لمخاطر السيولة لا تعني الالتزام الشكلي بالتعليمات، بل تتطلب:
حوكمة فعّالة يشرف فيها مجلس الإدارة مباشرة على سياسات إدارة المخاطر.
مواءمة قرارات منح التمويل مع هيكل السيولة الفعلي، لا مع أهداف النمو التسويقية.
الالتزام بمبادئ الشفافية والإفصاح، خصوصًا فيما يتعلق بتكلفة التمويل والمخاطر المحتملة.


وفي البنوك الإسلامية، تتضاعف المسؤولية نظرًا لطبيعة المنتجات القائمة على المشاركة والمخاطرة، ما يستدعي إدارة أكثر حذرًا واحترافية.
دور البنك المركزي: من التنظيم إلى الحماية
يقع على عاتق البنك المركزي دور محوري في حماية المودعين والمستثمرين، خاصة في هذه المرحلة الحساسة، وذلك من خلال:
وضع محددات واضحة لمنح الائتمان تمنع التوسع المفرط وتحد من مخاطر التركّز.


فرض متطلبات سيولة ورأس مال إضافية تتناسب مع مستوى المخاطر.
تعزيز الرقابة الميدانية والتحليلية وعدم الاكتفاء بالتقارير الدورية.
إلزام البنوك بخطط تصحيحية فورية عند ظهور مؤشرات ضعف مالي أو تشغيلي.


إن حماية المودعين ليست خيارًا تنظيميًا، بل واجب رقابي وأخلاقي، فالثقة تمثل رأس المال الحقيقي للقطاع المصرفي، والتجارب أثبتت أن الأزمات غالبًا ما تبدأ بتجاوزات صغيرة يتم التغاضي عنها في مراحل التوسع الأولى.


الخلاصة
في ظل المرحلة الراهنة، تبقى الرسالة الأهم موجهة إلى البنوك والجهات الرقابية معًا:
إن التمويل دون إدارة مخاطر حقيقية ورقابة صارمة قد يتحول من أداة تنمية إلى مصدر أزمة. فالاستقرار المالي لا تصنعه الإعلانات، بل تصنعه الحوكمة والانضباط والرقابة الاستباقية.


إن دعم بنوك التمويل الإسلامي الأصغر يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع تشديد الرقابة الاحترازية، بما يحقق التوازن بين الشمول المالي والاستقرار المصرفي، ويضمن استدامة هذا القطاع الحيوي وثقة المجتمع به.