الرئيس البيض في ذمة الله: حين خذلت "شهوة السيطرة" نبل الشريك
بقلم: د. مرسي أحمد عبدالله
في تاريخ الشعوب، ثمة كلمات تُكتب بدموع القادة وتضحيات الكوادر، لكنها تسقط أمام صخرة "شهوة السيطرة". حين وقف الرئيس علي سالم البيض في ذروة الاستهداف الممنهج لكوادره في صنعاء، قائلاً بحرقة: "أمامـي الآن صورة الشهيد ماجد وكامل وهاشم العطاس.. ولكن اليمن أغلى منهم جميعاً"، لم يكن يقدم تنازلاً سياسياً فحسب، بل كان يقدم "قرباناً" لمحاولة إنقاذ حلم الوحدة الذي بدأ يتآكل قبل أن يجف حبر توقيعه.
لقد كانت تلك الكلمات ذروة "النفس الوحدوي" الذي تسامى على الجراح الشخصية. ورغم أنني كنت وما زلت من الذين عبروا وانتقدوا الطريقة التي تمت بها تلك الوحدة —باعتبارها افتقرت للضمانات والأسس المتينة— إلا أن موقف البيض حينها كان ينم عن رغبة صادقة في حقن الدماء. لكن الرد لم يكن بمستوى النبل ذاته؛ فالتاريخ يخبرنا أن حرب 1994 لم تكن رداً على إعلان الانفصال، بل كانت "حرب إلغاء" بدأت باغتيال الكوادر وانتهت باجتياح الأرض.
المفارقة المؤلمة التي أثبتتها الوقائع هي أن "العقلية المركزية" التي أدارت الحرب، لم تكن تبحث عن "الإنسان الجنوبي" كشريك، بل كانت عينها على "جغرافيا الجنوب" كغنيمة. لم يشفع للبيض تخليه عن دولة كاملة، ولا صبره على دماء رفاقه؛ لأن المعيار لديهم لم يكن "مدى وحدويتك"، بل مدى قبولك بأن تكون تابعاً لا شريكاً.
إن تجربة البيض تظل الدرس الأقسى؛ وهي أن الوحدة التي تُبنى على "الضم والإلحاق" بدلاً من "الحق والعدالة"، تتحول من مشروع نهضوي إلى مجرد "استيطان سياسي" يقدس الأرض ويستبيح كرامة الإنسان.


