كيف تُدار بوصلة الجنوب من وراء الستار؟

بقلم: نبيل الحريري 

السياسة السعودية في الجنوب ليست وليدة الصدفة، ولا هي مجرد ردود أفعال عابرة، بل هي فنّ ترويض الطموحات الجامحة. ما نراه اليوم في الرياض ليس "حواراً" بمعناه التقليدي، بل هو عملية ضبط مصنع للمشهد السياسي برمته. إنهم لا يريدون كسر العظم، بل يفضلون سياسة "التقليم" المستمر؛ فالمجلس الانتقالي، بثقله الشعبي المتبقي، يُراد له أن يبقى حياً، ولكن داخل غرفة إنعاش سياسية محكمة الإغلاق. الرياض تدرك أن تحطيم هذا الكيان الآن يعني فوضى لا تخدم أحداً، لذا هي تكتفي بتذويبه ببطء في أحماض "الشرعية" والكيانات الموازية، حتى يتلاشى بريق التفرد والقرار المستقل.
المسألة أعمق من مجرد صراع محلي؛ إنها معركة الجغرافيا والموانئ. حضرموت، بخزاناتها النفطية وسواحلها الممتدة، هي الجائزة الكبرى التي لا تقبل الرياض أن يشاركها فيها أحد، حتى لو كان "الحليف" الإماراتي. ما تفعله المملكة هناك يشبه عملية جراحية بلا تخدير، تهدف إلى انتزاع النفوذ الإقليمي المتربص بحدودها الجنوبية الشرقية، وتثبيت أقدامها على شواطئ بحر العرب، الحلم القديم الذي لم يتوقف نبضه يوماً في أروقة الحكم السعودي.
في نهاية المطاف، لا تبحث السعودية عن حلول نهائية، بل عن "مساحات رمادية". الوحدة بنسختها القديمة ماتت، والاستقلال التام خط أحمر لم يحن وقته بعد في قاموس المصالح الدولية. النتيجة هي خلق وضع "هجين"؛ كيان لا هو بالدولة المستقلة ولا هو بالتابع الذليل، حالة من الانتظار الدائم تجعل الجميع يلهث خلف الفتات بانتظار إشارة من "الكفيل". هي مدرسة سياسية تؤمن بأن إبقاء الجميع في حالة ضعف متوازن هو الضمان الوحيد للسيطرة؛ فتقوية الضعيف وإضعاف القوي هما كفتا الميزان الذي تدير به المملكة لعبة النفوذ في الشمال والجنوب على حد سواء.