حين يشرب القاتُ ماءَ الحياة

بقلم: حسن الكنزلي

 

ليس الماء موردا عاديا يُستبدل، ولا سلعة زائدة يُساوَم عليها؛ بل هو أصل كل حي، وسرّ كل عمران، والركيزة التي تقوم عليها الحياة وتستقيم. كلمة قرآنية واحدة لو استقرت في الوعي لقلبت موازين السلوك ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
به يشرب الإنسان، وتحيا الزروع، وتقوم الأنعام، وتُبنى القرى وتُعمَّر المدن. وفي ميزان الشرع، الماء نعمة مشتركة، لا تُحتكر ولا تُفسد؛ إذ قرر النبي ﷺ مبدأ الشراكة العامة: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار».

وإذا كان الماء مشتركا؛ فإن العبث به اعتداء، والتفريط فيه خيانة، واستنزافه ظلم لا يقف عند فرد؛ بل يتعدّى إلى أمة بأكملها، وإلى أجيال لم تولد بعد. فما من نعمة أُهملت إلا انقلبت نقمة، ولا موردٍ أُسيء استخدامه إلا صار سببا للهلاك بعد أن كان سببا للحياة.

اليوم، لسنا أمام خطرٍ متوهَّم، ولا مشكلة بعيدة؛ بل أمام واقع يقرع أبواب البيوت، ويجفّ في الآبار، ويئنّ في صدور الأطفال. المياه الجوفية في اليمن تنضب، والآبار تهبط، والمسافات إلى الماء تطول، وملايين الناس يعيشون على مخزونٍ محدودٍ غير متجدد؛ إذا نُزف اليوم؛ فلن يعود غدا. والسؤال القرآني ما يزال معلّقا في الهواء: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.

هنا ينبغي أن نُميّز بوضوح بين الحاجة والعبث، وبين الضرورة والاستنزاف. الشرع يبيح الضرورة؛ لكنه يحرّم الإضرار؛ ويأذن بالحاجة؛ لكنه يمنع التعدّي؛ ويغفر العجز، لكنه لا يرضى بالإسراف.

ومن هذا المفترق الحاسم نصل إلى السؤال المؤلم: متى تحوّلت شجرة القات من عادة اجتماعية إلى كارثة بيئية؟ ومتى صارت ممارسة فردية إلى أزمة جماعية تهدد الماء والغذاء والحياة؟

لقد تمدّدت زراعة القات على حساب القمح والذرة وأشجار الفاكهة، وعلى حساب الماء الذي خُلق للشرب لا للإهدار. شجرة واحدة تُسقى من المياه الجوفية ما لا تسقيه عشرات الأشجار النافعة، تُروى من أعماق الأرض بينما القرى فوقها عطشى. ولسنا هنا بصدد تحريمٍ فقهيّ مجرد، بل أمام مآل واقعيّ وضررٍ متحقق، تحكمه قاعدة نبوية جامعة: «لا ضرر ولا ضرار».

فإذا كان ريّ القات يحرم الناس من الماء، ويُنضِب الآبار، ويهدد حياة المجتمع؛ فإن القضية لم تعد ذوقا شخصيا ولا حرية فردية؛ بل مسؤولية شرعية ومحاسبة أخلاقية. وقد لخّص الإمام ابن القيم رحمه الله جوهر الشريعة حين قال إن أساسها «الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد». فأي مصلحة تُرجى من شجرة تُسمن جيبا وتُجفف وطنا؟ وأي عادة هذه التي تشرب ماء الأطفال وتأكل خبز الفقراء ثم نُصر على تسميتها شأنا شخصيا؟

لسنا أعداء للمزارع، ولا خصوما للفقير؛ بل دعاة وعي وحماة حياة، نُنبّه قبل الانهيار. تحويل القات إلى أزمة جماعية مسؤولية الجميع: مزارعا ومستهلكا وساكتا ومبرّرا. فالتعاون على البر واجب، والتواطؤ على الإثم عدوان.

في شريعة الله، الماء أمانة واستخلاف، لا ملكية مطلقة. وإذا كان المال «مالَ الله»؛ فكيف بالماء الذي جعله أصل الحياة وحقا مشتركا؟ ومن هنا تضبط القاعدة العظمى السلوك وتقطع الجدل: «لا ضرر ولا ضرار». فمن استخرج ماء حُرم به غيره من الشرب، أو استنزف بئرًا فجفّت بعدها آبار القرى، أو روى زرعا كماليا فأهلك موردا حياتيا؛ فقد وقع في الضرر المحرّم، وإن كان الفعل في أصله مباحا؛ فليس كل مباح يبقى مباحا إذا تغيّر مآله واتّسع ضرره وتحول من نفع خاص إلى أذى عام.

أخطر الظلم هو الظلم الصامت؛ لا يُرى ولا يُسمع؛ لكنه يترك الأجيال القادمة عطشى. يبدأ استنزاف المياه بالفقراء: بنساء يحملن الجرار مسافات طويلة، وبأطفال يشربون ماء ملوثا أو لا يجدونه أصلا. هنا تتحول المسألة من خيارٍ زراعي إلى قضية عدل، ومن عادةٍ اجتماعية إلى امتحانٍ أخلاقي. وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والصمت في موضع الخطر خيانة للأمانة بقدر الصمت.

وليس من الحكمة ربح سريع؛ إذا كان ثمنه خرابا بطيئا. القات قد يمنح دخلا نقديا عاجلا، لكنه يُخفي خسارة استراتيجية فادحة: ماء لا يُعوّض، وأرضا تُنهك، وزراعة غذائية تُهمّش، وصحةً تُستنزف، ومستقبلا يُرهن. الاقتصاد القائم على استنزاف الماء قصيرُ النفس، لا يصمد ولا يورث. أما التنمية الحقّة، فهي التي تحفظ المورد، وتوازن بين اليوم والغد، وتبني الإنسان قبل المال. وقد ضرب لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أروع الأمثلة في استشعار المسؤولية حين قال: لو عثرت بغلة في العراق لسُئلتُ عنها. فكيف بمن يُجفف ماء قرية كاملة؟

إن أخطر ما نواجهه أن يُزاح الخبز ليُسقى القات، وأن تُقتلع سنابل الغذاء لتُغرس شجرة لا تُشبع جائعا ولا تحفظ وطنا. تراجع الزراعة الغذائية يعني تعميق التبعية، وارتهان القرار، وإضعاف السيادة؛ فلا أمن غذائي بلا ماء، ولا ماء بلا وعي.

هذه القضية مسؤولية مشتركة:
المزارع مسؤول عن اختياراته، والمجتمع مسؤول حين يقدّس العرف ويخشى المراجعة، والعلماء والخطباء مسؤولون عن البيان، والدولة مسؤولة عن التنظيم وحماية المورد العام. ولا إصلاح بلا بدائل؛ كالتحول التدريجي إلى محاصيل أقل استهلاكا للمياه، وترشيد الري، وحصاد مياه الأمطار، وإحياء أنظمة الري الحكيمة، ودعم المزارعين في مسار التحول؛ فالتغيير لا يُطلب من الناس ثم يُتركون وحدهم.

في النهاية، ما لم نُصلح علاقتنا بالنعمة فلن تنفع القوانين ولا الخطط. العبادة ليست في المسجد وحده؛ بل في كل قطرة ماء لا تُهدر، وفي كل قرار لا يضر. نحتاج توبة جماعية من غفلة طال أمدها، ومن عادة لم نعد نسأل عن مآلاتها.

الماء حياة، وضياعه هلاك. والقات ليس قدرا مكتوبا؛ بل خيارًا قابلا للمراجعة والتصحيح. إن إنقاذ الماء إنقاذ للإنسان والوطن والدين قبل كل شيء. فراجعوا أنفسكم قبل أن تُراجعكم الأيام، فالأمانة في أعناقنا، والمستقبل يسألنا: ماذا تركتم لنا؟
نسأل الله أن يبارك لنا في مياهنا، ويحفظها من الاستنزاف، ولا يجعلنا من المفسدين في الأرض ولا من الغافلين عن نعمته. ودمتم سالمين!