الشيخ المجاهد محمد شبيبة.. ابن صعدة الذي واجه السلالة الحوثية من عقر دارها

يُمثّل الشيخ المجاهد محمد بن عيضة شبيبة، وزير الأوقاف والإرشاد في الجمهورية اليمنية، نموذجًا نادرًا لرجل الدولة الذي ارتقى بمنصبه إلى مستوى الوطن، لا العكس. فمن موقعه الرسمي الرفيع، استطاع بحكمته وحنكته واتزانه أن يكون وزيرًا لليمن كلّه، لا وزير فئة ولا صوت حزب، ولم يُعرف عنه ميلٌ لطرف أو تعصّب لاتجاه، بل جسّد في أدائه روح الدولة الجامعة، والعدل الإسلامي المتجرد، والوحدة الوطنية التي تَعلو فوق الاصطفافات الضيقة. وقد أكسبه هذا النهج احترامًا واسعًا، لأنه مارس مسؤوليته بوصفها أمانة وطنية لا غنيمة سياسية.

يبرز الشيخ محمد عيضة شبيبة  كشخصية جامعة بين المسؤولية الرسمية والوعي الجهادي الفكري، فهو ليس مجرد وزير يدير مؤسسة دينية، بل مجاهد فكري  يخوض معركة الوعي في واحدة من أخطر مراحل الصراع اليمني. خطابه العلني، يكشف عمقًا لافتًا في فهم جذور الأزمة، إذ لا يتوقف عند مظاهر العنف، بل ينفذ إلى أصل الداء، رابطًا بين السلاح الذي ترفعه جماعة الحوثي وبين العقيدة المنحرفة التي تحمله وتُشرعنه.

 انطلق معالي الشيخ شبيبة بسردية وقراءة تاريخية واعية، معتبرًا أن ما يجري اليوم من حرب ضد مليشيات الحوثي ليست حدثا طارئًا أو وليد اللحظة، بل هي امتداد لعقيدة سلالية أُسست منذ عهد يحيى بن الحسين الرسي قبل أكثر من ألف ومئتي عام، عقيدة قامت على فكرة التفوق السلالي والاصطفاء المزعوم، وكانت – ولا تزال – الوقود الحقيقي للمجازر والانتهاكات وسفك الدماء في اليمن. فالسلاح، وفق هذا الفهم، ليس إلا أداة، أما المحرّك الحقيقي فهو الفكر المنحرف الذي يُضفي على العنف صبغة دينية زائفة.

ويذهب الشيخ إلى تفكيك جوهر هذه العقيدة، موضحًا أنها تقوم على منح أتباعها شعورًا زائفًا بالتفوّق، لا يستند إلى علم ولا تقوى ولا رشد، بل إلى “النسب والسلالة”، بما يجعل بقية اليمنيين في نظرهم مواطنين من درجة أدنى، لا حق لهم في الحكم ولا في الثروة ولا حتى في الشراكة الوطنية. وبهذا المنطق، تُختزل الأمة في جماعة، ويُختزل الوطن في سلالة، ويُصنَّف المجتمع بين “أوصياء” و“قُصّر”، بين من يرون أنفسهم “الأعقل والأرشد” ومن يُعاملون باعتبارهم “سفهاء” يجب إخضاعهم.

هذا الانحراف العقائدي – كما يوضّح الشيخ – لم يقف عند حدود التنظير، بل تُرجم عمليًا في الاستيلاء على السلطة، ونهب الأموال العامة، وقطع المرتبات، وإقصاء المخالفين، بل وتكفيرهم، ثم الانتقال من التكفير إلى القتال، ومن القتال إلى المجازر، في سلسلة متصلة لا يمكن فهمها إلا في سياق هذه العقيدة الإقصائية المغلقة.

وفي مواجهة هذا الفكر، يستند الشيخ محمد بن عيضة شبيبه إلى المرجعية الإسلامية الصحيحة، مستحضرًا الهدي النبوي الواضح في قول النبي محمد ﷺ: «الناس سواسية كأسنان المشط»، ليؤكد أن الإسلام جاء ليهدم أوهام التفاضل العرقي والسلالي، ويُرسّخ مبدأ المساواة الإنسانية، انطلاقًا من الأصل الواحد لآدم وحواء. ومن هذا المنطلق، يرفض الشيخ فكرة “الاصطفاء الإلهي” لسلالة بعينها، ويصفها بأنها فكرة منحرفة، ضالة، ومفسدة للمجتمع، لأنها تمزّق نسيجه، وتزرع الكراهية، وتحوّل الدين من رسالة هداية إلى أداة صراع وهيمنة.

وتكمن أهمية هذا الخطاب في السياق اليمني الراهن في كونه معركة وعي بامتياز، لا تقل شأنًا عن المعركة العسكرية. فهو يوفّر سندًا فكريًا وعقائديًا للمقاومة الوطنية، لا سيما في الساحل الغربي، ويُسهم في كشف جذور الصراع، وتفنيد الشائعات، ونزع الغطاء الديني عن المشروع الحوثي. ومن موقعه كوزير للأوقاف والإرشاد، يقدّم الشيخ نموذجًا فريدًا لتكامل الدورين: الدولة والمقاومة، الدعوة والمواجهة، الفكر والميدان.

بهذا الأداء المتوازن، يمثل الشيخ محمد شبيبه رمز للشفافية والانضباط والمسؤولية الوطنية، وإلى شاهد على أن المعركة ضد الانقلاب الحوثي ليست فقط معركة سلاح، بل معركة هوية، وعقيدة، ووعي، وأن الانتصار الحقيقي يبدأ حين يُستعاد الإسلام من أيدي من شوّهوا معانيه، وتُستعاد الدولة من أيدي من اختزلوها في سلالة...