ابنِ طفلاً عظيماً... تبنِ أمة عظيمة

إذا أردت أن تبني أمة عظيمة، فلا تبدأ من القصور، ولا من المؤتمرات، ولا من الشعارات الرنانة. بل ابدأ من الطفل. ابنِ طفلاً عظيماً، بالعلم والأخلاق، وستجد أن الأمة تنهض من تلقاء نفسها، لأن جذورها أصبحت أقوى من أن تُقتلع، وأغصانها أسمى من أن تُكسر.

التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. هو الفرق بين أمة تُنتج، وأخرى تستهلك. بين شعبٍ يُفكر، وآخر يُقلد. بين وطنٍ يُصنع فيه المستقبل، وآخر يُستورد فيه كل شيء، حتى الأفكار.

انظر إلى اليابان بعد الحرب، كيف نهضت من تحت الركام، لا بالسلاح، بل بالمدرسة. جعلت من المعلم حجر الزاوية، ومن الطالب مشروعاً وطنياً. واليوم، تُصدّر التكنولوجيا، وتُدرّس العالم كيف تُبنى الأمم.

تأمل في سنغافورة، تلك الجزيرة الصغيرة التي لا تملك موارد طبيعية، لكنها امتلكت أعظم مورد: العقل البشري. استثمرت في التعليم، فحوّلت الفقر إلى ازدهار، والضيق إلى ريادة.

وفي المقابل، كم من أمة تخلّت عن التعليم، فاختنقت في دوامة الجهل، وتعثرت في طريق التنمية، وظلت أسيرة التبعية، لا تملك قرارها ولا تصنع مصيرها.

التعليم لا يصنع الأفراد فقط، بل يصنع القيم. يعلّم الطفل كيف يُفكر، لا ماذا يُفكر. يُعلّمه كيف يُحاور، لا كيف يُصرخ. يُعلّمه أن الأخلاق ليست خياراً، بل أساساً لكل علمٍ نافع.

حين نُهمل التعليم، نُهمل المستقبل. وحين نُهمل الأخلاق، نُهمل الإنسان. فلا قيمة لعلمٍ بلا ضمير، ولا جدوى من معرفةٍ بلا مسؤولية.

فلنُعيد للمدرسة هيبتها، وللمعلم مكانته، وللطالب حلمه. لنزرع في كل طفل بذرة أمل، ونرويها بالعلم، ونحرسها بالأخلاق، حتى تُثمر وطناً لا يُهزم، وشعباً لا يُكسر.