ذكريات من الزمن الجميل(3)
يقولون لي.. انسَى الماضي…واقول لهم كيف أنسى الماضي وهو الأجمل في حياتنا؟
كيف أنسى زمنًا كانت فيه الأرض تُزرع بالأمل، والعمل يُدار بروح المسؤولية، وكانت الزراعة فيه مشروع وطن، وليست مجرد مهنة أو نشاط عابر.
كيف أنسى ذكرياتي
وهي في قلبي حنين
كيف أنسى ذكرياتي
وهي في سمعي رنين
كيف أنسى ذكرياتي
وهي أحلام حياتي
بهذه الكلمات التي تغنّت بها كوكب الشرق تبدأ حكاية زمن جميل، زمن كانت فيه الزراعة عنوان العطاء والعمل.
في ذاكرة العمل الزراعي في الشطر الجنوبي من اليمن يبرز اسم معالي الوزير المهندس محمد سليمان ناصر كأحد أبرز القيادات التي تولّت مسؤولية وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ القطاع الزراعي في اليمن عمومًا وفي الجنوب على وجه الخصوص.
لم يكن حضوره مجرد منصب إداري عابر، بل كان نموذجًا لقيادة ميدانية واعية أدركت مبكرًا أن الزراعة هي الركيزة الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وخلال فترة توليه الوزارة تبنّى رؤية تنموية واضحة، قامت على عدد من المحاور المهمة، من أبرزها إعادة -تنظيم الأراضي الزراعية ضمن إطار الإصلاح الزراعي
-دعم صغار المزارعين وتمكينهم من وسائل الإنتاج،
-تطوير نظم الري التقليدية وتحسين كفاءتها
-ازدهار زراعة محصول القطن بصنفيه طويل التيلة والمتوسط التيلة،حيث كانت تصل المساحة المزروعة من القطن وحده أكثر من 25 الف فدان وتعطي انتاج تقدر بأكثر من 30مليون رطل قطن شعر وهذه البيانات موثقه .
-التوسع في الميكنة الزراعية
-إنشاء محطات تأجير الآليات، -تطوير لجنة أبين الزراعية،
-إدخال مفاهيم العمل التعاوني الزراعي
-في عهده كان يكرم المنتجين تحت اسم بطل الانتاج
-تأسيس فرق إنتاجية في إطار الجمعيات الزراعية.
-تأسيس المؤسسة العامة لتسويق الخضار والفواكه والتي كانت في عهده تقوم بالاشتراك مع الأبحاث في توفير تقاوي البطاطس
-انتشار الأسواق المركزيه لاستقبال منتجات المزارعين في كل مديريه ومركز
وقد أسهمت هذه السياسات في إحداث نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي، خصوصًا في المناطق الزراعية الخصبة، كما شهد العمل التعاوني الزراعي في تلك الفترة ازدهارًا واضحًا.
شهادة ميدانية من قلب التجربة
وفي سياق هذه المرحلة أستحضر تجربة شخصية تعكس نهج هذا الوزير في العمل الميداني. ففي عام 1980م كنتُ أنا المهندس الزراعي عبدالقادر السميطي مديرًا لمحطة لودر الزراعية والمشاتل التابعة لها في كل من مكيراس ومودية، حيث كان لي الشرف باستقباله أنا والسلطة المحلية في مديرية لودر الباسلة خلال زيارته لهذا المرفق البحثي المهم.حيث كان يعمل في المحطة آنذاك عدد من الخبراء المصريين في مجال البستنة والخضار، من بينهم الخبير عبدالخالق أحمد في مجال البستنة، والخبير الكبير الدكتور عبد الحي شاهين في مجال إنتاج البطاطس. وقد ازدهرت زراعة البطاطس في تلك الفترة في المناطق المرتفعة والمتوسطة الارتفاع، حتى أصبحت تغطي احتياجات السوق المحلية في جنوب اليمن.وكذالك انتاج تقاوي البطاطس الخاصه في الزراعه في مناطق زراعته في كل من لودر ومكيراس وموديه وغيرها من مناطق الجنوب اليمني
وكانت تلك الزيارة حدثًا مهمًا ترك أثرًا كبيرًا في رفع معنويات الكادر الزراعي وتعزيز وتيرة العمل الميداني.ومن الجدير بالذكر أن محطة لودر الزراعية كانت تخضع إداريًا وماليا وفنيا لمحطة أبحاث الكود الزراعية، وكانت متخصصة في إنتاج شتلات الموالح بمختلف أنواعها، حيث كانت تُوزّع مجانًا على مختلف محافظات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في إطار سياسة دعم الإنتاج الزراعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تجارب ميدانية رائدة... وشهادة المهندس فرج الشراء
ومن الإنجازات الميدانية التي ارتبطت بمتابعته المباشرة تجربة إدخال محصول الذرة الشامية (الهند) في الموسم الزراعي 1983–1984م، وهو المحصول المعروف محليًا في محافظة شبوة باسم "حب الروم". وقد كان الوزير على تواصل مستمر لمتابعة هذه التجربة، حيث قام بعدة زيارات ميدانية للتأكد من نجاحها، كما شارك في تقييمها عدد من المختصين والباحثين الزراعيين.
وقد أشرف على تنفيذ التجربة ميدانيًا المهندس كرف منصور سالم مدير المحطة الزراعية نصاب آنذاك، بمشاركة نخبة من الكوادر الزراعية، ومنهم المهندس فرج الشراء، تحت الإشراف العام لمركز أبحاث الكود بقيادة المهندس سامي جواد همشري، حيث خضعت التجربة لتقييم علمي شمل أمراض النبات والحشرات والمحاصيل الحقلية والري والاقتصاد الزراعي.
وفي الموسم الزراعي 1984–1985م تم إدخال محصول البطيخ في مزرعة الدولة بمنطقة صاليب تحت إدارة الأستاذ أحمد صالح عمير الكلوي، وقد حققت التجربة نجاحًا ملحوظًا، ما مكّن المزرعة من المشاركة في المعارض الزراعية على مستوى الجمهورية في نفس العام.
الاقتراب من المزارع
ما ميّز الوزير محمد سليمان ناصر لم يكن التخطيط من المكاتب فقط، بل نزوله المستمر إلى الميدان واحتكاكه المباشر بالمزارعين وفهمه العميق لمشكلاتهم، الأمر الذي جعل قراراته أكثر واقعية وفاعلية.
لماذا يُعد الأفضل؟
يُنظر إلى محمد سليمان ناصر كأحد أفضل وزراء الزراعة لعدة أسباب
وضوح الرؤية والاستراتيجية
النزاهة والالتزام الوطني
الحضور الميداني الفاعل
تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع
لقد جسّد هذا الرجل صورة المسؤول الذي يعمل من أجل الوطن لا من أجل المنصب، وترك بصمة واضحة في تاريخ الزراعة في اليمن، ما يجعل استحضار تجربته اليوم ضرورة لإعادة بناء قطاع زراعي قوي ومستدام.
رحم الله الوزير المهندس محمد سليمان ناصر وأسكنه فسيح جناته.
المهندس الزراعي
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين
15 مارس 2026م


