رسوخ العلم وضجيج الكلام
بقلم: أ.د مهدي دبان
لخص الصحابي عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) تحول المجتمعات في عبارة بليغة: "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه".
هذا الأثر هو استشراف دقيق لتحول قيمي يصيب جوهر المعرفة الدينية والإنسانية، حيث ينقلب الميزان من "العمل الصامت" إلى "القول المستفيض". ... ففي زمن العلم الحقيقي، كانت القدوة تسبق الكلمة، و العالم هو من يورثك خشية ومنهجاً، لا من يطرب أذنك بفنون القول.
أما "زمن الخطابة" الذي حذر منه، فهو الزمان الذي تطغى فيه البلاغة الجوفاء على حساب العمق الفقهي. فيه يكثر المتحدثون والمؤثرون، وتُشحن العواطف بعبارات رنانة تفتقر إلى ركيزة العمل أو دقة العلم. إنها حالة يتحول فيها الدين والمعرفة من "بناء للوعي" إلى "استعراض للألسنة"، فيضيع الحق بين ضجيج الخطب وقلة الممارسة.
إن رقي الأمم لا يُقاس بمدى فصاحة المتحدثين على منابرها، بل بمدى رسوخ العلم في عقول أبنائها وتحوله إلى سلوك يخدم الواقع.


