بين استغلال الفرصة أو السقوط في الفخ: خارطة طريق حكومية لتجنب "الانهيار الكبير"*
بقلم / المحاسب القانوني معاذ عبدالواحد محمد الصبري نقيب المحاسبين - رئيس مركز المستشارين اليمنيين
تقف الحكومة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تشجّع الخطى نحو إصلاح جذري يضمن استدامة الدولة، أو أن تستمر في سياسة *"تسكين الأوجاع"* حتى تصطدم بحائط مسدود. إن التحذيرات من توقف الدعم الخارجي، وتحديداً المنح السعودية المخصصة لمرتبات الجيش والقطاعات الحيوية بالعملة الأجنبية، ليست مجرد هواجس، بل هي سيناريو واقعي يجب الاستعداد له قبل أن يتحول إلى أزمة عجز موازنة شاملة تعجز الدولة معها عن الوفاء بأدنى التزاماتها.
*فرصة "السيولة" المتاحة.. هل تضيع سُدى؟*
تشير المعطيات الحالية إلى توفر نسبي في العملة الأجنبية، وهي فرصة ذهبية قد لا تتكرر. إن الواجب الوطني يحتم على البنك المركزي والحكومة استغلال هذا الاحتياطي ليس فقط لتغطية الاستيراد، بل للتدخل الذكي في سوق الصرف لتحسين قيمة العملة المحلية بشكل مستدام.
إن تحسن سعر الصرف هو المدخل الحقيقي لتخفيض فاتورة الإنفاق العام وتخفيف المعاناة المعيشية التي تنهش في جسد الاستقرار السياسي.
*ثقوب الموازنة: التهرب الضريبي والجمركي* :
لا يمكن للحكومة أن تتحدث عن عجز في الموازنة بينما تظل أبواب الإيرادات مشرعة للنهب والتهرب. إن تشديد الرقابة على المنافذ الجمركية والتحصيل الضريبي ليس خياراً، بل هو *"معركة بقاء".* التقارير تشير إلى فجوات هائلة بين ما يجب تحصيله وما يدخل فعلياً إلى خزينة الدولة، مما يستدعي رقمنة شاملة للنظام المالي لتقليص التدخل البشري الذي يغذي الفساد.
*الملاحقة القضائية.. استعادة "حق الدولة":*
إن الإصلاح الاقتصادي لا يكتمل دون عدالة ناجزة. إن ملف المسؤولين الذين نهبوا إيرادات الدولة خلال السنوات الماضية يجب أن يُفتح على مصرعيه. الملاحقة القضائية واستعادة الأموال المنهوبة ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي رسالة طمأنة للداخل والخارج بأن عهد *"الإفلات من العقاب"* قد انتهى، وأن كل ريال يُنهب سيتم استعادته لدعم ميزانية الرواتب والخدمات العامة.
*تطهير الشركات التابعة للدولة والمختلطة* :
تعتبر الشركات التابعة للدولة والقطاع المختلط "الصندوق الأسود" الذي يجب تسليط الضوء عليه. فبدلاً من أن تكون هذه المؤسسات رافداً للميزانية، تحول بعضها إلى عبء أو إقطاعيات خاصة. إن إعادة هيكلة هذه الشركات ومتابعة تدفقاتها المالية بدقة سيوفر مبالغ طائلة يمكن أن تغطي جزءاً كبيراً من العجز المتوقع.
*الخلاصة: الفخ القادم*
إذا لم تتحرك الحكومة الآن وبصورة عاجلة لتنفيذ هذه الإصلاحات الهيكلية، فإنها تضع الدولة والشعب أمام "فخ" جديد من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. إن التوقف المفاجئ لأي دعم خارجي في ظل غياب بدائل محلية قوية سيعني انهيار الخدمات، وتوقف الرواتب، وانفجار الشارع.
*الكرة الآن في ملعب الحكومة؛ فهل تقتنص الفرصة السانحة للإصلاح، أم تظل رهينة للانتظار حتى يقع المحظور؟*
*الطريق إلى الأمام*
توجد اليوم إرادة سياسية وشعبية داعمة للإصلاح، بالإضافة إلى ظروف خارجية مساعدة، مما يجعل الوقت مناسباً لاتخاذ قرارات جريئة. *الحكومة مطالبة بالتحول من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة منع الأزمات* ، عبر خطة إصلاح شاملة تحظى بإجماع وطني وتضمن العدالة الاجتماعية.
*الخيارات واضحة* : إما المبادرة بإصلاحات استباقية تحفظ كرامة المواطن واستقرار البلاد، أو الانتظار حتى تفرض الظروف حلولاً قد تكون أكثر قسوة وأقل كفاءة. الفرصة سانحة اليوم، وغداً قد يكون الأوان قد فات.


