أحدب حي شرج باسالم - المكلا (1 / 2)
كان يعيش متنقّلًا بظهره المنحني، وتلك الحدبة التي تشبه الذروة، تتمايل ما بين رقبته وأعلى ظهره. يتنقّل بين مقاهي حي شرج باسالم، يقف على جانب هذا المطعم أو ذاك، ينتظر مغادرة زبون يقدّر أنه سيترك بعض الطعام ليسدّ به شيئًا من جوعه الذي لا ينتهي، أو يرتشف بقايا كوب شاي، أو ربما أكثر، تركه بعض روّاد ذلك المقهى، أو انشغل صاحبه بلعب الدومنة، ليتناوله فارغًا، والأحدب يضحك خلفه بهيئته المقزّزة للبعض، والمثيرة لعاطفة الشفقة لدى البعض الآخر على حال هذا الإنسان، ونظراته المبحلقة في زبائن المقهى، الذين يعرفهم كما لا يرونه، أو يظنون أنهم يعرفونه.
في مساء أحد أيام الخميس، ذهب ذلك الأحدب إلى أحد المقاهي، وفي تقديره أن المقهى سيعجّ بالزبائن، لكنه فوجئ بعدد قليل منهم، انسحبوا مع أذان المغرب. فصاح بعامل المقهى:
– أين الزبائن؟ كلهم يصلّون؟ الله يرحم زمان الحزب؟
ردّ العامل:
– الوحدة خلتهم يخزّنون يا صاحبي، واليوم خميس.
وبينما هما في جدل عن اختلاف الأزمنة، دلف إلى المقهى رجل طويل القامة، أبيض البشرة، أشيب الرأس، مهيب المظهر، وطلب كأسي شاي، ثم التفت إلى الأحدب ودعاه لشرب الشاي.
تردّد الأحدب، فلم يعتد على مثل هذه الدعوة.
دعاه الرجل مرة أخرى بصوت أجشّ، وفي نظراته قوة مؤثرة، وقال:
– اجلس واشرب الشاي، ونحن ننتظرك في نبيخة لمشاركتنا سمر زواج هذه الليلة. ننتظرك قبل نصف الليل، فلا تتأخر.
ثم نهض الرجل متجهًا إلى المغسلة، وبينما مدّ الأحدب يده إلى كأس الشاي، شاهد كأس الرجل على حالها، ثم التفت نحو المغسلة فلم يره؛ فقد اختفى ولم يعد. وفي تلك اللحظة وقف أمامه العامل يطلب قيمة الشاي، إذ قامت الصلاة، وأصرّ العامل على أن الذي طلب الشاي هو الأحدب. وبينما هما في أخذٍ ورد، دخل شاب عليه مظهر معلمي مرحلة ما قبل انتشار القات، الذي حوّل مقاهي المكلا إلى فراغ من روادها، ودفع ثمن كأسي الشاي، ثم مضى في سبيله، تاركًا العامل والأحدب في حالة ذهول.
حمل الأحدب عصاه بعد أن ازدرد كأس الشاي الثاني، وهمّ بمغادرة المقهى. ناداه العامل:
– خذ باقي الخمسمائة ريال.
قال:
– الشاب أعطاها لك.
أخذها وهو يردد: إلى نبيخة، ومضى منحنيًا على عصاه وسط ازدحام الشارع ودكاكينه، وحدبته تتمايل على ظهره. فهو جزء من ذلك الشارع، يعرف مالكي دكاكينه بالاسم، لطالما وقف على أبوابهم صباحًا ومساءً كل يوم. لكنه مساء اليوم لم يمرّ بأيٍّ منهم؛ ففي جيبه ما يكفي. سار دون أن يلتفت إلى المتسوّقين، حتى وصل إلى الشارع الرئيس، واستقلّ أول ميكروباص إلى نبيخة.
توقّف الباص، غادره بعد أن دفع الأجرة. حدّق فيه السائق مستغربًا دفعه، فردّ:
– لا، هذه المرة خذ وتوكّل على الله.
تحرّك الباص، نظر هو إلى الوادي، ومضى يتوكّأ على عصاه، عازمًا على تلبية دعوة ذلك الداعي، وهو يفكر في هيئته. كان الطريق خارج السكن، لكنه لم يتوقف حتى سمع أصوات طبول الحفل، وشاهد أضواء تشبه إنارة ملاعب كرة القدم. هنا توقّف في حالة ذهول، وتردّد ممزوج بالخوف، لمعرفته بهذه المنطقة الخالية من العمران والسكان، لكنه سار باتجاه تلك الأضواء، حتى وقف عند “المدارة”، خلف الراقصين وهم يرددون:
– خميسة خميسة...
وكان الشاعر أمامهم، لكنه لم يستطع إكمال الشطر الثاني.
هنا دعاه شيخهم، الذي التقاه في المقهى، وقال:
– ادخل المدارة.
فشقّ الصفوف وهو يردد:
– خميسة خميسة، يا ليلة الجمعة الأنيسة!
تحلّق حوله الراقصون بفرح، وقالوا لشيخهم:
– بماذا نكافئ هذا الإنسي؟
ضحك الشيخ وقال:
– له ما يتمناه، ولكن بأمنية واحدة.
لم يتردّد الأحدب وقال:
– اجعلها أمنيّاتنا.
ضحك الشيخ مرة أخرى وقال:
– لك ذلك.
قال الأحدب:
– استقامة ظهري وإزالة حدبتي.
قال شيخهم:
– والثالثة مال.
فردّ:
– جمال المحيّا، والمال ملحوق عليه.
وهنا أُطفئت الأنوار، وأُخليت الساحة، إلا من شخصه وحفيف الشجيرات، وأصوات نقيق ضفادع في بقايا غدير ماء. دخلته رجفة، وإذا به مستقيم الظهر، تحسّسه فلم يجد حدبته. رمى عصاه وقفز عائدًا وهو يردد:
– إلى دكان سالمين بكرة… أو عبده الريمي؟
الجزء الثاني: يوم الخميس القادم – 5 فبراير


