حين تُختزل الوطنية في الشعارات: بين خطاب التنمية وواقع النهب

في لحظات التحوّل الكبرى، تتعرّى المفاهيم حين تُستبدل بالقوالب الجاهزة. الوطنية، بوصفها قيمة جامعة ومسؤولية أخلاقية، تصبح في بعض السياقات مجرّد شعار يُرفع عند الحاجة، ويُطوى عند المحاسبة. وحين تُختزل الوطنية في الخطاب، يكثر المتحدّثون باسمها، ويقلّ الحارسون الحقيقيون لمضمونها.

ليس أخطر على الأوطان من تحويل المبادئ إلى أدوات تسويق سياسي. فحين تُرفع لافتات “التنمية” و“الدعم” دون أثر ملموس على حياة الناس، تتسع الفجوة بين القول والفعل. وحين تُدار الثروات بعيدًا عن الشفافية، تُستبدل لغة الأرقام بلغة الخطب، ويُستعاض عن الخطط بالوعود، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.

التاريخ القريب يعلّمنا أن إعادة تدوير الوجوه نفسها، تحت مسميات جديدة، لا تصنع إصلاحًا. فالمرتكز الحقيقي لأي نهضة هو بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، تُدار بالكفاءة لا بالولاءات، وتُقاس إنجازاتها بالنتائج لا بالنوايا. التنمية ليست بيانًا إعلاميًا، بل سياسات عامة تُترجم إلى خدمات، وفرص عمل، وحماية للمال العام.

الدبلوماسية السياسية، في معناها الرصين، لا تبرّر الأخطاء ولا تغطي الفساد، بل تسعى إلى تصحيح المسار بأدوات هادئة وحازمة في آن. وهي تُدرك أن الاستقرار الدائم لا يقوم على إسكات الأسئلة، بل على الإجابة عنها بوضوح. فالمواطن اليوم أكثر وعيًا، وأقل قابلية لتصديق خطاب لا يلامس واقعه.

إن الدفاع الصادق عن الوطن يبدأ بالاعتراف بالتحديات، وبفصل الشعارات عن الممارسات، وبإعلاء مبدأ الشفافية كقاعدة لا استثناء. فالوطنية ليست ملكًا لخطاب بعينه، ولا غطاءً لمصالح ضيقة، بل عقد أخلاقي بين السلطة والمجتمع، جوهره خدمة الإنسان وحماية الثروة العامة.

ختامًا، إن استعادة معنى الوطنية تتطلب شجاعة سياسية تُقدّم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتُعيد الاعتبار للفعل المسؤول بدل الاكتفاء بالكلام. فالأوطان لا تُباع بالخطب، ولا تُبنى بالشعارات، بل تُصان بإرادة إصلاح حقيقية، تُحاسِب وتُصلِح، وتضع الوطن فوق الجميع.