سقوط الأقنعة عالميا

بقلم: حسن الكنزلي

ليست الأحداث الكبرى التي تهز العالم خالقة للفساد بقدر ما هي كاشفة له؛ فالفساد – في الغالب – لا يولد فجأة تحت أضواء الكاميرات؛ بل يعيش طويلًا في العتمة، حتى يأتي وقت انكشافه. وحين تُرفع الأستار، يُصاب الناس بالصدمة؛ لا لأن الجريمة وُلدت لتوّها؛ بل لأنهم اعتادوا أن تُخفى عنهم. وهنا يتجلّى معنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ فحين تتشابك المصالح ويتراكم الظلم، يفضح الله بعضهم ببعض، لتكون الفضيحة درسا لا مجرد خبر.

غير أنّ بين الفضيحة والعبرة مسافة أخلاقية واسعة؛ الفضيحة تُشبع فضولا عابرا، وتثير صدمة مؤقتة، ثم تخبو. أمّا العِبرة؛ فهي التي توقظ الضمير، وتعيد ترتيب القيم، وتدفع إلى مراجعة الذات. وقد نهى الإسلام عن تتبّع العورات لمجرّد التشهير؛ لكنه في الوقت ذاته لم يشرعن الصمت حين يتحوّل الفساد إلى منظومة، والجريمة إلى نظام. فالصمت هنا لا يُسمّى تقوى؛ بل خيانة للأمانة.

ولم يُربِّ الإسلام أبناءه على العزلة الأخلاقية عن العالم؛ بل على الشهادة عليه؛ فما يجري في العالم ليس بعيدا عن مجتمعاتنا؛ لأنه يُصدّر ثقافته، ويعيد تعريف القيم، ويضغط على ضمائر الأمم؛ من هنا، لا يكون الاهتمام بما يحدث ترفا فكريا؛ بل واجبا أخلاقيا.

وفي هذا السياق؛ تكشف القضايا العالمية الكبرى ـ في بعدها العام لا في تفاصيلها المثيرة ـ عن شبكات معقدة من المال والنفوذ والسلطة، حيث لا تُدار الجريمة كفعل فردي؛ بل تُحمى سياسيا، وتُغلف قانونيا، ويُسكَت عنها إعلاميا. قوانين تُفعل على الضعفاء، وتُعطل أمام الأقوياء، في صورةٍ صارخة من الإيمان الانتقائي بالقيم والعدالة.

وتُظهر هذه الوقائع كذلك أبشع صور استغلال الإنسان للإنسان؛ حين يتحوّل الضعيف إلى أداة، والمسكين إلى ضحية، وتُسحق الكرامة تحت أقدام الشهوة. وقد حذر الإسلام منذ قرون من أن هذا المسلك طريق هلاك الأمم، فكيف إذا لم يكن الاعتداء على مال؛ بل على إنسان وعِرض وكرامة؟

ثم يأتي الصمت الدولي؛ لا بوصفه عجزا؛ بل ثمرة لتوازنات المصالح. عدالة ترى بعين واحدة، وتسمع بأذن واحدة. وحين يغيب ميزان العدل، لا تبقى العدالة عدالة؛ بل تتحوّل إلى أداة قهرٍ جديدة.

إن ما نشهده اليوم ليس حادثةً معزولة؛ بل سقوطا أخلاقيا لنموذج مادي فصل القيم عن القوة؛ فجعل المعيار: من يملك؟ لا من يَعدِل. من يَغلب؟ لا من يَرحم. وحين تستغني القوة عن الأخلاق؛ تبدأ مرحلة الطغيان، وتتحول الحرية من قيمة مسؤولة إلى ذريعة لانتهاك الآخرين.

وفي هذا النموذج صار الإنسان سلعة؛ يُستعمل، ثم يُستبدل، ثم يُرمى. جسد بلا كرامة، وروح بلا قيمة؛ بينما جاء الإسلام بمبدأ لا يقبل المساومة؛ تكريم الإنسان لذاته، قبل القوانين، وفوق المصالح، وأثبت من الشعارات.

ورغم كثرة الحديث عن حقوق الإنسان؛ يبقى الامتحان الحقيقي في التطبيق لا في الخطاب. فما إن تمسّ العدالة أصحاب النفوذ؛ حتى تتبدل اللغة، وتتلون المبادئ، ويُعاد تعريف الحق. هنا يبرز السؤال الجارح: من يُحاسَب ومن يُحمى؟ فإذا صار القانون سيفا على رقاب المستضعفين ودرعا للأقوياء؛ فذلك إعلان سقوط أخلاقي واضح.

ويأتي الإعلام ليقف على الحد الفاصل بين التنوير والتواطؤ؛ إعلام قد يكشف، وقد يُخفي، وقد يصنع الرأي العام كما يُراد له لا كما ينبغي أن يكون. والتعامل مع الخبر في ميزان القيم مسؤولية؛ لأن الكتمان خيانة، والسكوت عن الجريمة مشاركة في آثارها.

لقد جاء الإسلام ليقيم حضارة قوامها حفظ الكرامة، وفي قلبها حفظ العِرض، باعتباره مقصدًا شرعيا لا يقوم المجتمع بدونه. وهو لا يكتفي بإدانة الجريمة بعد وقوعها؛ بل يُقيم سياج الوقاية قبلها، ويحمّل الفرد والمجتمع مسؤولية التغيير؛ فالسكوت ليس حيادا حين تكون كرامة البشر على المحك.

وإذا كان خداع العامة مفهوما في زمن التضليل، فإن صمت النخب خيانة مضاعفة؛ لأنهم يملكون الوعي والتأثير. وواجب الشهادة على الحق أصل لا يُساوَم عليه، ولو خالف مصالح الأقوياء. وأخطر ما نراه اليوم تبرير الجريمة باسم المصلحة، وتسويغ الفساد بحجج الاستقرار والنفوذ! وهي بداية انهيار القيم وضياع الإنسان.

وتكشف هذه الوقائع حاجة مجتمعاتنا إلى تحصين تربوي عميق؛ تحصين الأسرة، وحماية الأبناء من الانبهار بنماذج فاسدة تُقدَّم على أنها قدوات. فالقيمة الحقيقية ليست في المال ولا في النجومية؛ بل في القلب والعمل، وفي الثبات عند الاختبار.

لسنا بحاجة إلى ثقافة فضائح تُلهي؛ بل إلى وعيٍ يُصلح؛ وعيٍ يقرأ الحدث؛ ليبني، لا ليستهلك. يميز بين الوعي والفضول، وبين الحكمة والإثارة؛ فليس كل ما يُعرَف يُقال، ولا كل ما يُقال يُفيد.

إن العالم اليوم متعب أخلاقيا، متخم ماديا، جائع للمعنى. وهنا تبرز رسالة الإسلام بوصفها مشروع إنقاذ أخلاقي، لا طقوسا معزولة عن الواقع؛ مشروعا يربط القوة بالعدل، والحرية بالمسؤولية، واللذة بالكرامة.

فإذا سقطت القيم؛ سقطت الحضارات؛ قد تبقى الأبنية والأسواق؛ لكن الإنسان ينهار من الداخل. ولا نجاة إلا بعودة الأخلاق: أخلاقٍ ليست ترفا فكريا، بل شرط بقاء. أخلاق تُعيد للإنسان إنسانيته، وللعالم توازنه، وللحياة معناها.

نسألك الله هداية تُصلِح القلوب، وبصيرة تكشف الزيف، وثباتا على الحق في زمن الفتن.
ودمتم سالمين!