أبين ومسلسل الإقصاء والتهميش

منذ أيام، يتجدد الحديث عن أبين بوصفها محافظة “مُقصاة” و”مهمشة”، ويُعاد إنتاج ذات الخطاب بذات المفردات، حتى بات الأمر أشبه بمسلسل طويل الأجزاء لا يبدو أن له نهاية، مسلسل تتكرر فيه الشخصيات، وتتبدل فيه العناوين، لكن المضمون واحد عويل، وصراخ دون فعل حقيقي على الأرض.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان المسلسل التركي الشهير مراد علمدار، الذي امتد لسنوات طويلة تدور أحداثه حول الشخصية ذاتها، دون تغيير جوهري في المسار، وهكذا هو حال أبين في الخطاب العام؛ ذات الوجوه التي مارست الإقصاء والتهميش منذ مطلع التسعينات، تعود اليوم لتصرخ وتتباكى، متسائلة لماذا لم تُدرج أبين ضمن تشكيل الحكومة؟ والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة أكبر هو: 

ألا تخجلون؟ ألا تستحون؟

من يزور أبين اليوم لا يحتاج إلى تقارير أو خطب ليكتشف حجم المأساة، يكفي أن يرى حجم الخراب والإهمال ليشعر بالخجل والقهر.

 أهذه هي أبين التي أنجبت رؤساء دولة وقادة تاريخيين، أمثال: محمد علي هيثم، سالم ربيع علي، علي ناصر محمد، وعبدربه منصور هادي؟ أهذه المحافظة التي خرج منها وزراء ومحافظون ورؤساء هيئات ومؤسسات؟

ومع ذلك، تبقى أبين محافظة مدمرة من أقصاها إلى أقصاها، تدفع ثمن سوء الإدارة وغياب الضمير، لا نقص الرجال ولا الكفاءات.

إن المؤلم أكثر أن بعض الأصوات التي ترتفع اليوم بالصراخ والعويل، هي ذاتها التي لم ترحم أبين وأهلها حين كانت في موقع المسؤولية، فكيف يمكن الوثوق بمن عجز عن خدمة محافظته، ليكون أمينًا على وطن بأكمله؟

لقد تحولت أبين، في نظر البعض، إلى مجرد سُلّم يُصعد عليه لتحقيق مكاسب شخصية، بينما تُرك البسطاء يواجهون الفقر، والحرمان، وانعدام الخدمات، ولو كان في تلك الشعارات صدق، لكانت أبين اليوم منارة للتنمية ووجهة للحياة، لا نموذجًا للإهمال والتدهور.

إن أبين لا تطلب صدقة سياسية من أحد، ولا منّة من أحد، بل تطلب حقها الطبيعي في التنمية والكرامة والعدالة، وهي لا تعاني من غياب الكفاءات، بل من غياب الصدق والإخلاص وتحمل المسؤولية.

وفي الأخير أبين لا ينقصها الرجال ولا الكفاءات، ينقصها فقط الصدق، والإخلاص، والضمير الحي، وستبقى الحقيقة ثابتة أن من عجز عن خدمة محافظته، لن يكون أمينًا على وطن، وأن المناصب تزول، لكن آثار الفشل تبقى شاهدة لا تموت،

وسيأتي يوم تُكتب فيه فصول جديدة، لا بالعويل ولا بالشعارات، بل بالفعل والعمل، وحينها ستنهض أبين رغم كل شيء، لأن الأوطان الحقيقية تُبنى بالصبر والصدق، لا بالصراخ على أبواب السلطة.

ودمتم سالمين