النتائج السلبية للقراءة المجتزئة للمشهد السياسي ..!!

يعتقد البعض أن الحديث عن الأمور السياسية أمر سهل ، وهذا الكلام في الحقيقة غير دقيق ، لأن السياسة علم قائم بذاته ، قد يكون من العلوم الإنسانية غير الخاضعة للتجارب المعملية والتطبيقية ، كما هو حال العلوم التطبيقية ، كالفيزياء والرياضيات وغيرها ، لكنه يظل علماً له نظرياته ومداخله ومناهجه ، فقراءة المشهد السياسي لهذه الدولة أو تلك ، يتطلب قراءة المشهد بشكل شامل وكامل من جميع الزوايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمذهبية ...الخ ، وكذلك يتطلب قراءة الظروف والبيئة المحيطة بذلك المشهد ، وتأثيرها فيه على كل المستويات الداخلية والإقليمية والدولية ، لأن قراءة ذلك المشهد على المستوى الداخلي فقط ، سوف تكون نتائجه سطحية ومجتزئة وبعيدة عن الواقع ، خصوصاً في ظل تصاعد حدة التدخلات والتفاعلات الإقليمية والدولية في الشئون الداخلية للدول ، وتأثيراتها المباشرة عليها ، بحسب ميزان القوة ، فالدول الأقوى تتدخل وتؤثر بشكل مباشر في سياسات الدول الضعيفة ، بما يحقق مصالحها ويضمن تنفيذ مشاريعها ..!! 

لذلك من الخطأ قراءة المشهد السياسي الداخلي لدولة ما ، بمعزل عن قراءة التأثيرات والمتغيرات الخارجية الإقليمية والدولية على ذلك المشهد ، وبذلك فٱنه من الخطأ تحميل طرف سياسي ، أو قائد سياسي ، المسئولية الكاملة عن الاختلالات أو الإخفاقات في ذلك المشهد ، وهذا ما حدث بالفعل خلال فترة نكبة الربيع العربي ، حيث تم قراءة المشهد السياسي للدول العربية التي تأثرت به ، بشكل مجتزء وناقص ، من خلال التركيز على الفاعل السياسي الداخلي فقط ، وتحميله كامل المسئولية عن الاختلالات الحاصلة ، دون النظر إلى التأثيرات الكبيرة للفاعلين الإقليميين والدوليين في ذلك ، وتلك القراءة المجتزئة والناقصة ، لبت في ذلك الوقت طموحات المعارضة ، لتنفيذ أهدافها باسقاط الأنظمة العربية القائمة ، وكان تفكيرها في ذلك الوقت تفكير لحظي ، في حدود طموحها للوصول إلى السلطة ' دون مرعاة للتداعيات السلبية الناتجة عن ذلك الفعل ..!! 

وما حدث ويحدث من تداعيات سلبية وكارثية ، في الدول التي ضربتها نكبة الربيع العربي، هو نتاج تلك القراءة المجتزئه والناقصة للمشهد السياسي ، وهي نتاج ذلك التفكير اللحظي النفعي ، الذي لم يمنح القائمين على تلك المؤامرة مجالاً للتفكير ، في حجم وتداعيات ما بعد إسقاط الأنظمة العربية القائمة ، وكأن قوى المعارضة التي انخرطت في ذلك الربيع ، كانت في عجلة من أمرها ، وكأن ما حدث كان بمثابة الفرصة التي كانت تنتظرها ولا ترغب في تفويتها مهما كان الثمن ، ومهما كانت التداعيات ، بعد أن حصلت على ضوء أخضر من فاعلين دوليين ، وخصوصاً من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ، والتي كانت قد زارت المنطقة العربية قبل احداث الربيع العربي بوقت قصيرة ، مطلقة إشارات كانت بمثابة الضوء الأخضر ، الذي كانت تنتظره قوى المعارضة العربية ، لإسقاط الأنظمة القائمة ..!! 

لتتفاجأ قوى المعارضة بعد وصولها إلى السلطة ، بضغوط وتدخلات إقليمية ودولية كبيرة جداً ، فوق قدرتها وطاقتها وإمكانياتها ، ولتدرك ولكن بعد فوات الأوان بأنها لم تقرأ المشهد السياسي كما ينبغي ، ولتدرك أنها كانت مجرد أداوات استخدمها الفاعلين الإقليميين والدوليين ، لتنفيذ مشاريعهم ومخططاتهم التقسيمية في المنطقة ، وكم كان سيكون جميلا لو ان قوى المعارضة طالبت باجراء اصلاحات سياسية وعملت على سحب البساط من تحت أقدام الأنظمة الحاكمة بالطرق السلمية والدستورية ، لأن هناك فرق شاسع بين اصلاح النظام وبين اسقاط النظام ، وهذه هي النتيجة الطبيعية والكارثية ، لعدم قراءة المشهد السياسي بشكل صحيح ، وفي الأخير لم يستفد أحد من الربيع العربي المشئوم سوى قيادات المعارضة وبعض ناشطي الاعلام والتواصل الاجتماعي ، بينما غالبية الشعوب المنكوبة بمن فيهم المغرر بهم الذين انخرطوا في ذلك الحراك قد خسروا الكثير الكثير ' ليقف الجميع أمام فاجعة وكارثة عصفت بكل شيء جميل في حياتهم ..!!