الجنوب.. اليقظة الكبرى في منجم الصبر والسيادة

بقلم: سناء العطوي 

منذ زمن بعيد، كان الجنوب في الوجدان الجمعي لأبنائه يمثل أكثر من مجرد خارطة جغرافية أو كيان سياسي، بل كان وما يزال أشبه بتلك "الأحلام" التي وصفها العلم بأنها ركن أساسي في وجودنا النفسي والجسدي، تكتنز في أعماقها طاقات هائلة وموارد بكر لم تُستثمر بعد كما ينبغي.

 واليوم، ونحن نقف في قلب عام 2026، يبدو حال الجنوب وكأنه يمر بتلك المرحلة المعقدة من النوم التي تسبق الاستيقاظ العظيم؛ مرحلة تضطرب فيها النبضات، وتتداخل الصور، ويصبح الصمت فيها أبلغ من الكلام، في انتظار لحظة الانبعاث التي تضع حداً لليل الطويل.

 إن الحالة الراهنة، برغم ما يكتنفها من ضبابية ووجع خدمي مرير ينهش في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن في عدن وحضرموت ولحج وأبين وشبوة والمهرة وسقطرى، ليست في حقيقتها إلا ذلك الضباب الذي يسبق انجلاء الرؤية وانكشاف الحقيقة الكاملة.

إن التساؤل الملح الذي يتردد في صدور الناس: هل سنستمر في هذا التيه؟ وهل كتب على هذا الشعب أن يعيش رهين التجاذبات الإقليمية والحلول الترقيعية؟ 

الإجابة تكمن في جوهر "المنجم" نفسه؛ فالتاريخ لا يعرف الركود الدائم، والقوانين الطبيعية والسياسية تؤكد أن الضغط يولد الانفجار نحو الحرية والعدالة. لا يمكن لهذا الجنوب، بموقعه الاستراتيجي الذي يتحكم في شرايين التجارة العالمية، وبثرواته التي لا تزال مدفونة تحت ركام الصراعات، وبإنسانه المتسلح بالوعي والعزيمة، أن يظل "معطلاً" أو مُداراً بالأزمات المفتعلة. 

الحقائق التي بدأت تتجلى في الأفق تشير بوضوح إلى أن زمن "اللا حسم" قد استنفد أغراضه، وأن القوى الفاعلة في الأرض والقرار لم تعد تقبل بأنصاف الحلول التي ترحّل الأزمات ولا تحلها.
ما الذي سيظهر في القريب؟ ستظهر الحقيقة الساطعة بأن "الجنوب" ليس

بقلم:  سناء العطوي

مجرد ورقة ضغط في مفاوضات إقليمية، بل هو رقم صعب في معادلة الاستقرار العالمي.

 ستنكشف حقيقة أن التجاهل الدولي لإرادة الشعوب هو استثمار في الفوضى، وأن الطريق الوحيد لتأمين الممرات المائية وحماية السلم الدولي يبدأ من الاعتراف باستحقاقات هذا المنجم البشري والجغرافي.

 كما ستظهر الحقيقة الاقتصادية التي طال إخفاؤها؛ وهي أن الجنوب يمتلك المقومات الكافية ليكون دولة نموذجية مستقرة، تعتمد على مواردها وتدير شؤونها بكفاءة بعيداً عن الوصاية أو التبعية المنهكة.
إننا لا نسير نحو مجهول مخيف، بل نحو مواجهة حتمية مع الذات والواقع، حيث سيثبت الصمود الأسطوري لهذا الشعب أن "الأحلام" السياسية حين تستند إلى الحق، تتحول إلى واقع ملموس لا يمكن تجاوزه.

 إن المستقبل الذي يتشكل الآن خلف ستائر الأزمات هو مستقبل "السيادة والكرامة"، حيث تنتهي مرحلة الحلم لتبدأ مرحلة البناء، ويتحول الجنوب من منجم معطل للآمال إلى منجم حقيقي للفرص والنهضة، واضعاً حداً لزمن الانتظار، ومستعيداً هويته التي لا تقبل المحو أو النسيان.
 إنها اليقظة التي طال انتظارها، والحقيقة التي ستشرق شمسها مهما اشتدت حلكة الظلام.

          سناء ـ العطوي