اليمن وعمقه الخليجي… ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل
لم يعد الحديث عن اندماج اليمن في محيطه الخليجي ترفًا سياسيًا أو شعارًا عاطفيًا، بل أصبح مطلبًا جيوسياسيًا وجيوأمنيًا واقتصاديًا تفرضه معطيات الواقع وتحولات الإقليم. فالأمن في شبه الجزيرة العربية كلٌّ لا يتجزأ، وأي خلل في خاصرة الجنوب ينعكس مباشرة على استقرار المنظومة الخليجية بأكملها.
اليمن… مفتاح الأمن البحري
يتحكم اليمن بأحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر مضيق باب المندب، الذي يربط بين البحر الأحمر والخليج العربي. هذا الموقع الاستراتيجي يجعل استقراره ضرورة لحماية التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هنا فإن أي فراغ أمني في اليمن يفتح المجال أمام المليشيات العابرة للحدود والقوى الإقليمية للتسلل وتهديد الأمن البحري والإقليمي.
التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن اختطاف الدولة من قبل جماعات مسلحة لا يهدد الداخل اليمني فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى عمق الخليج. وبالتالي فإن حماية اليمن واستعادته لدوره الطبيعي ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل مسؤولية إقليمية مشتركة.
التكامل مع مجلس التعاون… رؤية واقعية
إن الاندماج التدريجي في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل خيارًا استراتيجيًا يخدم الجميع. فاليمن يمتلك ثروة بشرية شابة يمكن أن تسهم في التنمية الخليجية، إضافة إلى موارد طبيعية وموقع جغرافي يؤهله ليكون منصة لوجستية واستثمارية بين آسيا وأفريقيا.
صحيح أن الانضمام الكامل يتطلب استقرارًا سياسيًا ومؤسسات دولة فاعلة واقتصادًا منضبطًا، لكن التكامل المرحلي – عبر الشراكات الاقتصادية والأمنية ومشاريع البنية التحتية المشتركة – يمكن أن يشكل مسارًا عمليًا نحو هذا الهدف.
الدور القيادي للمملكة
لا يمكن الحديث عن المنظومة الخليجية دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية بوصفها الثقل السياسي والاقتصادي في المنطقة. وقد أثبتت الرياض خلال السنوات الماضية أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني وأمن الخليج عمومًا. ومن هذا المنطلق، فإن أي رؤية استراتيجية لدمج اليمن في محيطه الطبيعي تحتاج إلى قيادة سعودية ورؤية خليجية جماعية تستند إلى المصالح المشتركة طويلة الأمد.
ما بين الضرورة والفرصة
اندماج اليمن في عمقه الخليجي ليس منّة من أحد، كما أنه ليس عبئًا على المنظومة الخليجية، بل هو استثمار في الاستقرار المستدام. فكل دولار يُنفق في بناء مؤسسات الدولة اليمنية هو في حقيقته استثمار في أمن الخليج، وكل مشروع تنموي في اليمن هو جدار صدّ أمام مشاريع الفوضى.
لقد أثبتت التجارب أن الفراغ يولّد التطرف، وأن التهميش يصنع الأزمات. أما الشراكة والتكامل فهما الطريق الأقصر نحو الاستقرار.
خاتمة
إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض تفكيرًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات الضيقة. فاليمن بموقعه وتاريخه وامتداده الاجتماعي ليس خارج المنظومة الخليجية، بل هو جزء أصيل من نسيجها. واندماجه الكامل أو المرحلي في هذه المنظومة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لحماية المنطقة من تسلل المليشيات وضمان مستقبل آمن ومزدهر لشعوبها.
ويبقى السؤال: هل ننتظر حتى تتفاقم التحديات أكثر، أم نبادر إلى صناعة واقع جديد قائم على الشراكة العميقة والتكامل الاستراتيجي؟


