رفح تُباد..وغزة تستغيثُ فلا مُجيب..والعرب في سبات عميق

في ليلة حالكة من ليالي البؤس الفلسطيني، انطفأت أنوارُ رفح، لا لأن الكهرباء قُطعت، بل لأن الأرواح أُزهقت، والمساكن سوّيت بالأرض، والأحلام تناثرت بين الركام...رفح، تلك المدينة الواقعة على خاصرة غزة، مسحتها آلةُ الحرب الإسرائيلية من خارطة الحياة، وارتفعت أرواحُ أطفالها إلى السماء، تُنشد وجعًا لا يُحتمل، وتركوا خلفهم دُمى مغبّرة، ودفاتر مدرسية مضرّجة بالدم، وصمتًا عربيًا يخترق القلوب كالسكاكين.

رفح اليوم،  قبر جماعي مفتوح، تئنُّ فيه الأمهات فوق أجساد أبنائهنّ، ويصرخ فيه الآباء بصمتٍ موجوع، ينادون أبناءهم الذين ابتلعتهم النيرانُ والصواريخُ ذات الأطنان الثقيلة، تلك التي لا تفرّق بين طفلٍ وشيخ، ولا تميّز بين بيت ومدرسة أو مستشفى. 

ثلاثة أيام فقط كانت كافية لتُطوى رفح من قاموس الجغرافيا، ولكنها ستبقى محفورةً في ذاكرة الوجدان العربي جرحًا لا يندمل، ووصمةَ عارٍ على جبينِ الإنسانية، إن كانت لا تزال تملك جبينًا.

يا عرب، أما سمعتم أنينَ الأطفال تحت الأنقاض؟ أما رأيتم نظرات الخوف في أعين الصغار وهم يُنتشلون بلا أطراف، بلا وجوه، بلا ملامح؟ أين أنتم؟ لمَ هذا الصمتُ المقزز؟ أهذه هي العروبة التي تغنّى بها الشعراء؟ أم أن العروبة انتحرت على أبواب رفح؟

رفح لا تسقط وحدها، بل تسقط معها كرامةُ أمة بأكملها، رفح تُباد على مرأى ومسمع العالم، والعرب مشغولون ببيانات التنديد، والاجتماعات العقيمة، والخطابات الجوفاء التي لا تُسمن طفلًا من جوع، ولا تقي لاجئًا من بردٍ أو ليل بلا مأوى.

في كل بيت في رفح قصةٌ لم تُكتب بعد، لأن الكتّاب قُتلوا، والصحف أُحرقت، والأقلام تكسّرت في يد طفل كان يصنعُ من كلماته وطنًا يُقاوم به النسيان ؛في كل شارع في رفح شهيد يُنادي: يا أمة المليار، أما آن لكم أن تستفيقوا؟ أما آن للضمير أن ينتفض؟ أما آن للدمع أن يتحوّل إلى فعل؟

غزة، يا لؤلؤةَ الألم الصامدة، تُذبح كلّ يوم، ويُغتال أطفالُها وهم يحلمون بحقيبة مدرسة، أو رغيفِ خبز، أو حضنِ أم، غزة اليوم  تُسحقُ تحت أقدام الصمت الدولي، وتُجلدُ بجلد الأقرباء قبل الأعداء، غزة التي لم تَبع كرامتها، تُعاقَبُ لأنها أبت الركوع، ولأنها اختارت أن تبقى واقفةً كالسنديان في وجهِ الإعصار.

أما رفح، هي أيقونةُ الفجيعة، عنوانُ العار، ومرآةٌ تعكسُ بشاعة الصمت وجُبن الأقربين ،رفح تُناجيكم يا عرب، لا لتُرسلوا بيانات ولا شجبًا، بل لتُعيدوا تعريف الإنسان فيكم، لتُزيلوا الغبار عن ضمائركم التي كبّلتها الحسابات الضيقة، والمصالح الباردة.

إلى متى سيبقى الموتُ في غزة خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار؟ إلى متى ستبقى صورُ الأشلاء مشهدًا مألوفًا لا يُثير فيكم سوى التأفف وربما التثاؤب؟ أين الجيوش التي أرهقتنا بعروضِها العسكرية؟ أين القرار العربي؟ أين النخوةُ الإسلامية؟ أم أن غزة لا تستحق أن تُدرج في جدول أعمالكم؟

رفح، يا ألمًا عالقًا في الحلق، ويا صرخةً مكتومة في صدرِ كل فلسطيني، لن تُغفَر هذه الجريمة، ولن يُنسى هذا الخراب ،سيأتي يومٌ يُحاكم فيه الصمتُ قبل القاتل، وتُدانُ اللامبالاةُ قبل الصاروخ، سيُسأل كلُّ من صمت: لماذا لم تصرخ؟ كلّ من رأى: لماذا لم يتحرّك؟ كلّ من عرف: لماذا رضي بالعار؟

رفح، ستظل تنادي، لا لتبكي فقط، بل لتُذكّرنا أن في قلبِ الوطن بقعةً نُسفت، وأرواحًا أُبيدت، وطفولةً أُغتيلت، ونحن ما زلنا نبحثُ عن صوتٍ نصرخُ به، وسطَ جُدرانٍ من الصمتِ العربيّ المهين.