بلال بن رباح.. حين تهتز المدينة حنيناً بـ "أذان الوداع"
بقلم: _منصور بلعيدي_
لا يقاس الزمن بالساعات حين يتعلق الأمر بالشوق، بل بضربات القلوب التي أضناها الفراق.
وفي تاريخنا الإسلامي، تظل قصة مؤذن الرسول ﷺ، بلال بن رباح، هي الأيقونة الأبرز لمعنى الوفاء الذي يتجاوز المسافات والسنوات.
*نداء من غيب المنام.*
بدأت الحكاية في "داريا" بقلب الشام، حيث استقر بلال بعد رحيل الحبيب المصطفى ﷺ. هناك، وفي سكون الليل، زاره طيف النبوة في المنام.
روى ابن عساكر بسند جيد أن الرسول ﷺ قال له: "ما هذه الجفوة يا بلال.. أما آن لك أن تزورني؟!".
لم تكن الكلمات مجرد عتاب، بل كانت نداءً هزَّ أركان روح بلال. استيقظ المؤذن حزيناً وجلاً، فلم تحتمل قدماه البقاء في الشام؛ فشد رحاله على ناقته قاصداً المدينة المنورة، يحدوه الشوق وتسبقه الدموع.
*لقاء على أعتاب الذكرى.*
وصل بلال إلى المدينة، فكان أول ما فعله هو الارتماء عند قبر النبي ﷺ، يبكي ويُمرغ وجهه على القبر .
وفي غمرة هذا الحزن، أقبل عليه ريحانتا رسول الله، الحسن والحسين (رضي الله عنهما).
ضمهما بلال إلى صدره وكأنه يشم فيهما ريح جدهما، وهنا طلبا منه طلباً أعاد للذاكرة هيبتها: "نتمنى أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله ﷺ في المسجد".
*الأذان الذي زلزل المدينة.*
لم يرفض بلال طلباً لآل بيت النبي.
فصعد إلى سطح المسجد، ووقف في مقامه الذي لم يقفه منذ فارق الرسول الحياة.
وما إن استجمع أنفاسه وقال: "الله أكبر.. الله أكبر"، حتى ارتجت المدينة المنورة وتوقفت فيها نبضات العمل.
* وعند قوله "أشهد أن لا إله إلا الله"، زادت الرجفة في القلوب.
* وعندما صدح بـ "أشهد أن محمداً رسول الله"، حدث ما لم يحدث منذ يوم الوفاة؛ فخرجت النساء العواتق من مخادعهنّ يركضن وهنّ يتساءلن بذهول: "أبُعث رسول الله ﷺ من جديد؟!".
*يوم البكاء العظيم.*
لم يُرَ يومٌ في المدينة المنورة أكثر باكياً وباكية بعد يوم وفاة النبي ﷺ من ذلك اليوم الذي أذن فيه بلال.
لقد كانت تلك اللحظات "حنيناً للذكرى وأشواقاً" لم تبرد نارها، بل زادها صوت بلال اتقاداً.
لقد أثبت بلال بأذانه ذاك أن الأجساد قد تغيب، لكن الأرواح تبقى معلقة بمن تحب، وأن صوت "الحق" يظل دائماً هو الجسر الذي يعبر بنا من وحشة الغربة إلى أنس الذكرى.


