تحت شجرة في رمضان… علمتني أمي معنى الرحمة
بقلم: أ.د مهدي دبان
في سن التاسعة من عمري، هل علينا شهر رمضان في أوائل يوليو، في عز الصيف ولهيبه. كانت أمي – رحمها الله – ترعى الأغنام على مقربة من أرضنا الزراعية في قرية مجاورة تبعد قرابة العشرة كيلومترات عن قريتنا ... خرجنا إليها مع الصباح الباكر، وكنت صبيا نحيلا مرهقا من الصيام، لكني كنت مصرا عليه. كلفتني أن أنتبه للأغنام بينما تجمع هي الحشائش لإطعامها في المساء عند عودتنا، وحين اطمأن قلبي أن الأغنام ترعى وتأكل ما لذ وطاب، تنحيت جانبا، فرشت المشدة تحت شجرة كبيرة في أرضنا، واستسلمت لنوم عميق مع الهواء الجميل والهدوء الرائع.
وبينما كنت غارقا في نومي، تسحبت الأغنام إلى أرض مجاورة لغيرنا. تنبهت أمي سريعا؛ كانت احدى عينها عليّ وعينها الأخرى على ما تقوم به، وهي على إدراك تام أني لا أصلح للرعي ولا للفلاحة من الأصل. تداركت الأمر قبل أن تنال الأغنام من زرع الرجل، أعادتها وحدها، ثم وجدتني نائمًا فلم توقظني، ولم توبخني، وتركتني أواصل نومي وتولت هي الأمر بصبر وأمومة خالصة.
وعند موعد العودة طلبت مني النهوض لأساعدها في تحميل ماجمعت على الحمار، وعدنا إلى البيت. لم تُخبر أحدا بما حدث، بل قالت لهم: ما شاء الله، اليوم مهدي رعى الأغنام بكل شغف وجد وكان رائعا. كنت خجلانا مما فعلت، فقالت لي بهدوء يشبه الدعاء: أنت مكانك ليس هنا، وهذا العمل لا يصلح لك، وكل شخص يُسر لما خُلق له. رحم الله أمي وأبي، وجميع موتى المسلمين واسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة.. آمين.


