رمضان ليس شهرًا لتغيير العادات فقط، بل فرصة لتغيير القلوب. فمن صلح قلبه، صلحت أيامه كلها
رمضان، هذا الضيف الكريم الذي يحل علينا كل عام، لا يقتصر فضله على تغيير عاداتنا اليومية من أكل وشرب ونوم فقط. إنه أعمق من ذلك بكثير، هو مدرسة ربانية فريدة، فرصة ذهبية لتغيير جوهري يبدأ من أعماق الذات، من ذلك المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله... القلب.
فكم منَّا من يحرص في رمضان على صيام الجوارح، ويكف عن الطعام والشراب، ويداوم على الصلوات، لكن قلبه لا يزال يرزح تحت أثقال الغفلة والقسوة؟ وكم منا من يصوم عن شهوات البطن، لكنه لا يصوم عن شهوات النفس من حقد وحسد وغيبة ونميمة؟ إن رمضان يدعونا إلى رحلة داخلية، رحلة إصلاح للقلوب التي هي وعاء الإيمان ومستقر التقوى.
تغيير القلب في رمضان يعني أن نتخلى عن شوائب الدنيا التي علقت به، أن نطهره من الأدران، وأن نملأه بحب الله وطاعته والإحسان إلى خلقه. إنه يعني أن نتصالح مع أنفسنا ومع الآخرين، أن نسامح ونصفح، أن نمد يد العون لمن يحتاج، وأن نشعر بآلام الفقراء والمساكين. عندما يصلح القلب، تنعكس هذه الصلاح على كل جوانب حياتنا.
القلب السليم هو مفتاح الحياة الطيبة. فمن صلح قلبه، رأى النور في دربه، وتفتحت له أبواب الخير، وزانت أيامه بالبركة والرضا. يصبح العبد أكثر خشوعًا في صلاته، وأكثر صدقًا في معاملاته، وأكثر تسامحًا في علاقاته. تنبعث منه الطمأنينة والسكينة، ويصبح مصدر خير لمن حوله.
دعونا لا نجعل من رمضان مجرد مناسبة عابرة لتعديل سلوكيات سطحية، بل لنجعله محطة حاسمة لإعادة تشكيل قلوبنا، لإعادة تواصلنا مع خالقنا بروح نقية وضمير حي. فإذا صلحت القلوب في هذا الشهر الفضيل، فإن أثرها سيمتد إلى ما بعد رمضان، لتكون أيامه كلها أعيادًا في طاعة الله ومرضاته. فلنبذل أقصى ما لدينا لنخرج من هذا الشهر بقلوبٍ جديدة، قلوبٍ قد صفت ونقت، لنسعد بها في دنيانا وآخرانا.


