قرار استراتيجي غيّر مجرى التاريخ

بقلم: أبو زين الوليدي
حين قدم أبو هريرة رضي الله عنه إلى المدينة المنورة في السنة السابعة للهجرة، كان قد فاته شرف سنوات طويلة من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفاته حضور بدر وأحد والخندق وغيرها من المشاهد العظيمة. إذ إنه لم يصحب النبي ﷺ إلا قرابة أربع سنوات فقط.
دخل المدينة غريباً فقيرًا، أميًا، لا يملك مالًا ولا بيتًا ولا مكانة اجتماعية، يعيش مع فقراء أهل الصُّفّة في مؤخر المسجد. ولم تكن تنقصه الفرص؛ فالمدينة آنذاك كانت تموج بحراك اقتصادي واجتماعي كبير: تجارة نشطة، وزراعة خصبة، ومجتمع يتشكل من جديد بعد أن أصبحت المدينة قلب الجزيرة العربية.
كان بإمكانه أن يسلك طريق التجارة كما فعل كثير من المهاجرين، أو يعمل في مزارع الأنصار ويؤمّن لنفسه مستقبلًا ماديًا مستقرًا، وربما يصبح من أهل اليسار والجاه. وكل ذلك كفيل بأن يخرجه من ضيق الفقر وغربة الحال.
لكن أبا هريرة نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.
رأى أن أعظم فرصة في تلك المرحلة ليست المال ولا الجاه، بل ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ سنته، والتلقي عنه والتفرغ للعلم. أدرك أن الوحي يتنزل، وأن كلمات النبي ﷺ تُبنى بها أمة جديدة ويتشكل بها مستقبل العالم كله، وأن اللحظة قصيرة لكنها فاصلة في تاريخ البشرية.
فاتخذ قراره الحاسم:
أن يجعل حياته كلها لمجالسة النبي ﷺ، وتلقي القرآن والسنة عنه، مهما كانت كلفة هذا القرار.
دفع ضريبة اختياره بكل استحقاقاتها صبر على الفقر، وعلى الجوع، وعلى قلة ذات اليد، وتحمل نظرة البعض إليه حتى ظن بعص البدو أنه مجنون من كثرة ما يغشى عليه من الجوع ومن بساطة ملبسه، لكنه كان يعمل عملًا من نوع آخر: كان يحفظ للأمة دينها، ويتلقى معارف السماء وأخبار الغيب واستشرفات المستقبل، وخطط الحياة وخارطة الوجود وقصة الكون.
فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، واحتاجت الأمة إلى سنته وحديثه، وبدأ كبار الصحابة يتناقصون بالموت، التفت الناس إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فوجدوا عنده علمًا غزيرًا، وحفظًا متقنًا، ورواية واسعة لما سمعه من رسول الله ﷺ.
أصبح مرجعًا للأمة، وأخذ عنه مئات التابعين،(٨٠٠) حتى توفي سنة ٥٩هـ، وقد حفظ للأمة قدرًا عظيمًا من السنة، وسبق جميع الصحابة في كثرة الرواية.
لقد نظر الناس إلى النتيجة، ولم يروا سنوات التضحية والصبر التي سبقتها. رأوا المجد، ولم يشهدوا ضريبة القرار.
إن قصة أبي هريرة ليست سيرة صحابي فقط، بل درس عميق في فقه الأولويات والقرارات، وفيه أن القرارات العظيمة تُبنى على رؤية بعيدة، وأن من يختار الباقي على الفاني قد يخسر بعض الدنيا… لكنه يربح أثرًا يمتد إلى يوم القيامة.
فهل نحسن نحن اختيار أولوياتنا كما أحسن هو اختياره؟
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.