من أسباب نجاح المصلحين
(١) التفرغ الكامل للمشروع
من السنن الجارية في الحياة أن العطاء بقدر التركيز، وأن الأثر بقدر ما يُبذل له من عمرٍ وهمٍّ وفكر. وليس غريبًا أن نرى كثيرًا من الباحثين ينالون أعلى الدرجات العلمية، بينما يندر فيهم من يقدّم عملاً علميًّا متميزًا راسخًا يبقى أثره. والفرق في الغالب لا يرجع إلى الذكاء وحده، بل إلى مقدار التفرغ والانصراف الكامل للمشروع.
فالبحث الذي يُعطى له القلب والعقل والوقت، ويُقدَّم على سائر الشواغل، يخرج ناضجًا متقنًا، ثريّ المادة، واضح المنهج. أما العمل الذي يُزاحمه التشتت وتتنازعه الاهتمامات المتفرقة، فإنه يخرج ضعيفًا مهما كانت بداياته واعدة.
وهذا المعنى لا يقتصر على ميادين العلم. فقد ينجح صاحب متجر صغير في زمن وجيز، بينما يفشل غيره مع تشابه الظروف والإمكانات. الأول جعل عمله قضيته، فقام عليه بنفسه، وتعهده بالملاحظة والتطوير، وركّز جهده فيه حتى أثمر نجاحًا. أما الآخر فتنقّل بين الأفكار، وتوزعت همومه، ولم يمنح مشروعه الوقت الكافي ولا الحضور الذهني المطلوب، فكانت العاقبة إخفاقًا محتومًا.
وإذا نظرنا في سير الأعلام وجدنا هذا المعنى واضحًا جليًّا. فهذا محمد بن إسماعيل البخاري لم يُنجز صحيحه إلا بعد انقطاع تامٍّ للعلم، حتى رُوي عنه قوله: «ما بعتُ ولا اشتريتُ بصلةً قط»، إشارةً إلى شدة انصرافه عن الصوارف. وكذلك ابن حجر العسقلاني الذي خلّف تراثًا علميًّا ضخمًا، ويكفي من ذلك فتح الباري، شاهداً على طول النفس وكمال العناية.
ومثلهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك، وقل كذلك في ابن تيمية الذي أوقف عمره كله لمشروعه العلمي والإصلاحي، محتملًا في سبيله المحن حتى لقي ربَّه.
هذه النماذج المختلفة تؤكد حقيقة بديهية: أن النجاح العظيم لا يُنال بالهمّ الموزّع، بل بالهمّ المجموع. فكيف إذا كان المشروع مشروعًا إصلاحيًا تجديديًا، يُراد به إقامة الدين، ونصرة الملة، وحفظ هوية الأمة، وبناء وعيها وثقافتها؟ إن مثل هذا المشروع يحتاج إلى نفسٍ ثابتة، وصبرٍ طويل، ورباطٍ دائم، وانصرافٍ عن كل ما يبدّد الطاقة ويستهلك العمر بلا ثمرة.
لن يفلح مصلحٌ تشتّتت حركته، وتفرّقت همومه، وتنقّل من فكرة إلى أخرى دون أن يُتمّ شيئًا. وإنما يفلح من ثبت، وركد، وصابر، ورابط، وجعل مشروعه محور حياته، حتى إذا جاءه اليقين كان قد خلّف أثرًا باقيًا ينتفع به الناس.
ومن قرأ سير المصلحين والمجددين الذين كان لهم أثر صالح في خدمة الدين، وجد أنهم أوقفوا أعمارهم وقلوبهم وأفكارهم لمشروعهم، فلم يكن الإصلاح عندهم عملًا عارضًا، بل رسالة عمر. وهكذا تُصنع الإنجازات الكبيرة، وهكذا يُكتب للأعمال الخلود.
*أبو زين الوليدي*


