عودة الروح إلى القضية تبدأ بإنصاف رجالها

إن كنتم حقاً تريدون للمجلس الانتقالي الجنوبي أن يستعيد عافيته وقوته وهيبته بعد ما مرّ به من ارتباكات وبيعات ومساومات سياسية، فاعلموا أن الطريق إلى التعافي ليس عبر التصريحات البراقة ولا عبر حملات التلميع الإعلامي، بل عبر خطوة واحدة واضحة وصادقة: العودة إلى الجذور الحقيقية للقضية الجنوبية.

العودة إلى أولئك الرجال الذين خرجوا إلى الساحات منذ عام 2007، يوم كان الصوت الجنوبي جريمة، ورفع علم الجنوب مخاطرة، والهتاف للحرية ثمنه الاعتقال والملاحقة.

أولئك المناضلون الذين أشعلوا شرارة الحراك الجنوبي السلمي، فهزّوا الصمت الثقيل الذي خيّم على الجنوب لسنوات طويلة، وكتبوا بصدورهم العارية أولى صفحات النضال الجنوبي المعاصر.
هؤلاء لم يكونوا طلاب مناصب، ولا باحثين عن مكاسب، بل كانوا أصحاب قضية وإيمان راسخ بأن الجنوب العربي لن يموت في ضمير أبنائه مهما حاولت قوى المصالح طمس صوته.

لكن المؤلم، بل والمخجل، أن بعض المتسلقين و"صوص السياسة" الذين لم يكونوا يوماً في ميادين النضال، تسللوا لاحقاً إلى المشهد، وقفزوا فوق تضحيات المناضلين الحقيقيين، واحتلوا المواقع، وتحدثوا باسم قضية لم يشاركوا في صناعتها، بل حاولوا سرقة تاريخها ونضالها.

لقد شاهدنا كيف تم تهميش كثير من أبناء الحراك الجنوبي الأوائل، أولئك الذين صنعوا الوعي الشعبي، وقادوا المظاهرات، وواجهوا القمع، وتعرضوا للسجون والملاحقات، بينما تقدم الصفوف أشخاص لم يعرفوا طريق الساحات إلا بعد أن أصبحت القضية الجنوبية أمراً واقعاً.

وهنا يجب أن نقولها بصراحة ووضوح:
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح وهو يتجاهل رجاله الحقيقيين.
فالقضية الجنوبية ليست شركة خاصة، ولا إرثاً سياسياً يحتكره البعض، بل هي قضية شعب دفع ثمنها دماء الشهداء وعرق المناضلين وصبر الأمهات وآلام المعتقلين.

إن إعادة الاعتبار لأبناء الحراك الجنوبي ليست مجاملة لأحد، بل ضرورة وطنية لإنقاذ المسار وتصحيح البوصلة.
فأولئك الرجال هم أصحاب التجربة، وهم الذين يعرفون كيف بدأت المعركة، وكيف يجب أن تستمر حتى تحقيق الهدف الكبير الذي يناضل من أجله أبناء الجنوب.

إن الجنوب اليوم بحاجة إلى صفٍ وطنيٍ صادق، لا إلى طبقة من المنتفعين الذين يرون في القضية سلماً للوصول إلى المناصب.
الجنوب بحاجة إلى روح الحراك الأولى…
روح الإيمان…
روح التضحية…
روح الصمود التي ولدت في ساحات ردفان والضالع وعدن ولحج وأبين وحضرموت وكل شبر من أرض الجنوب.

فإن أردتم مجلساً انتقالياً قوياً ومتماسكاً، أعيدوا الاعتبار للمناضلين الحقيقيين.
افتحوا الأبواب لأبناء الحراك الجنوبي الذين صنعوا الوعي منذ 2007، وقدموا التضحيات دون انتظار مقابل.
فالتاريخ لا يمكن تزويره، والنضال لا يمكن سرقته، والجنوب لن يقوده إلا أبناؤه الأوفياء.

وختاماً نقولها بكل وضوح وثقة:
إن القضية الجنوبية أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعمق من كل الحسابات الضيقة.
والجنوب الذي أنجب المناضلين منذ أول شرارة للحراك سيبقى قادراً على تصحيح مساره كلما حاول البعض الانحراف به.
فالجنوب باقٍ…
والقضية باقية…
والتاريخ سيكتب أسماء الرجال كما هي، لا كما يريدها صوص السياسة.