بين "الحزم" في اليمن و"التحفظ" مع إيران: قراءة في حسابات الردع الخليجي.!

بقلم: منصور بلعيدي

في الوقت الذي تزداد فيه التساؤلات حول "برود" الرد العسكري الخليجي تجاه التحرشات الإيرانية، يرى المحللون السياسيون أن المقارنة بين التدخل في اليمن عام 2015م والمواجهة المباشرة مع طهران هي مقارنة بين "سياقين مختلفين تماماً" من حيث الحسابات الجيوسياسية والكلفة الاستراتيجية.
1. موازين القوى وحرب "الوكالة" مقابل "الأصالة"
يرى الخبراء أن التدخل في اليمن كان يهدف لمنع سقوط دولة جارة في يد جماعة مسلحة مدعومة خارجياً، وهو ما اعتبره الخليجيون "خطراً وجودياً" يمكن احتواؤه عسكرياً. 
أما المواجهة مع إيران، فهي تعني الدخول في حرب "أصالة" شاملة مع دولة تمتلك عمقاً جغرافياً كبيراً وشبكة واسعة من الوكلاء في المنطقة، مما قد يحول الخليج إلى ساحة معركة مفتوحة تدمر المنجزات الاقتصادية المحققة.

2. فلسفة "تصفير المشاكل" والنمو الاقتصادي
تبنت دول الخليج، بقيادة السعودية والإمارات، في السنوات الأخيرة رؤى اقتصادية طموحة (مثل رؤية 2030). يرى الخبراء أن قادة هذه الدول يدركون أن "رأس المال جبان"، وأن أي صراع مباشر مع إيران سيؤدي إلى:
 * توقف تدفق الاستثمارات الأجنبية.
 * تهديد سلامة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.
 * ضرب البنية التحتية النفطية التي تعتمد عليها ميزانيات هذه الدول.

3. القيود الدولية والدور الأمريكي
لا يمكن إغفال "الفيتو" غير المعلن أو عدم الحماس الأمريكي للدخول في حرب إقليمية كبرى. 
الأسلحة الخليجية، رغم حداثتها، مرتبطة بمنظومات دعم لوجستي واستخباراتي دولي. 
يشير المحللون إلى أن واشنطن غالباً ما تدفع باتجاه "الدفاع عن النفس" و"احتواء الضربات" بدلاً من الرد الهجومي الذي قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع لا تريده في توقيت تركيزها على الصين وأوكرانيا.

4. التحول من العسكرة إلى الدبلوماسية
شهدت المنطقة مؤخراً تحولاً استراتيجياً نحو "الدبلوماسية الوقائية"، مثل الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية. 
الخبراء يفسرون الاكتفاء بالصد والتنديد بأنه محاولة لـ "سحب الذرائع" وعدم الانجرار إلى فخ التصعيد الذي قد يجهض عمليات السلام الهشة في المنطقة.

إن الترسانة العسكرية الخليجية، في نظر الخبراء، لم تعد تُقاس بقدرتها على "الهجوم"، بل بقدرتها على "حماية المكتسبات". 
الصمت الخليجي ليس نتاج ضعف في الإمكانيات، بل هو نتيجة حسابات كلفة وأرباح معقدة، تفضل فيها العواصم الخليجية "الصبر الاستراتيجي" على مغامرة عسكرية غير مأمونة النتائج.