عدن والغاز... حين تبتلع الأزمات وجه المدينة،،
في مدينةٍ كانت تُلقَّب بعروس البحر، حيث كان النسيم يمرّ خفيفًا على الأرواح قبل الشواطئ، تقف عدن اليوم مثقلةً بأعباءٍ لا تشبهها، وكأنها تُدفع دفعًا إلى ارتداء ثوبٍ ليس لها.
هناك، في تفاصيل الحياة اليومية، لا يعود الحديث عن الرفاه أو حتى الاستقرار، بل عن أساسياتٍ باتت تُنتزع انتزاعًا من بين أيدي الناس.
أزمة الغاز في عدن لم تعد حدثًا عابرًا، ولا اختلالًا مؤقتًا في منظومة الإمداد، بل تحوّلت إلى مشهدٍ يوميٍّ متكرر، تُعاد فصوله على ذات الوجوه المتعبة.
طوابير تمتد كأنها خطوطُ قلقٍ مرسومة على جسد المدينة، ومواطنٌ يطارد أسطوانة الغاز كما لو كان يطارد حقه في الحياة الكريمة.
وفي خضمّ هذا المشهد، تتكاثر الأسئلة أكثر مما تتكاثر الحلول:
لماذا عدن تحديدًا؟ ولماذا تُترك هذه المدينة، بما تمثّله من رمزيةٍ وتاريخ، فريسةً لأزماتٍ تتوالد بلا انقطاع؟
ومن المسؤول عن هذا الانحدار الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط وحده؟
بالأمس كانت الرواية الرسمية جاهزة:
مافيا فساد، وعمليات تهريب تستنزف مخصصات المدينة، وعجزٌ مُعلن عن مواجهة قوى متجذّرة تتوارى خلف النفوذ والحماية... يومها، كان المواطن – على مضض – يمنح العذر، ويتقبّل الحكاية، رغم ما فيها من ثغراتٍ لا تخفى.
لكن اليوم وقد تبدّلت الوجوه، وارتفعت سقوف التوقعات، لم يعد مقبولًا أن تبقى ذات الرواية تُعاد بصياغاتٍ مختلفة.
لقد استبشر الناس بعهدٍ جديد، ظنّوا أنه سيعيد لعدن شيئًا من ملامحها التي بهتت، وأنه سينقلها من هامش المعاناة إلى متن الاهتمام.
غير أن الواقع يبدو أكثر قسوةً من التمنّي؛ فالتغيير الذي انتظره الناس لم يتجاوز – حتى اللحظة – حدود الشكل، بينما بقي الجوهر أسيرًا لذات الأزمات....
كأن المشهد برمّته لم يتغيّر، سوى في ملامحه الخارجية، فيما ظلّت العلل كامنة في العمق، تنخر بصمتٍ مريب.
وهنا لا يعود السؤال ترفًا، بل ضرورة:
هل تقف السلطة المحلية عاجزةً أمام شبكات العبث بمقدرات المدينة؟
أم أن الصمت المطبق إزاء هذه الأزمة هو موقفٌ بحد ذاته؟
ولماذا يغيب الخطاب الرسمي في لحظةٍ تتطلب أقصى درجات الوضوح والمكاشفة؟
إن غياب التوضيح لا يقلّ وطأةً عن غياب الحل، بل ربما يزيد منسوب القلق، ويُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والجهات المسؤولة.
فحين تتحول الأزمات إلى مناطق محرّمة على النقاش، يصبح الخلل أعمق من مجرد نقصٍ في الإمداد، ويغدو أقرب إلى أزمة إدارةٍ وإرادة.
نعم يدرك الجميع أن التركة ثقيلة، وأن ما تراكم عبر السنوات لا يُمحى بقرارٍ عابر، كما يدركون أن شبكات المصالح المتغلغلة ليست سهلة الاجتثاث....
لكن ما لا يمكن تفهّمه هو أن يظل المواطن وحيدًا في مواجهة هذه المعاناة، بلا بارقة أملٍ واضحة، أو حتى محاولة جادة للتخفيف منها.
لقد كان الأمل معقودًا على أن تبدأ المعالجة من الملفات الأكثر إلحاحًا، وأن تُوجَّه الضربات الأولى لمصادر الفساد والاحتكار، وأن يشعر الناس – ولو تدريجيًا – بأن ثمة تغييرًا حقيقيًا يمسّ حياتهم.
عدن يا ناس ،،،
عدن لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن معجزاتٍ تُغيّر وجه الواقع بين ليلةٍ وضحاها...
كل ما تريده هو إدارةٌ صادقة، وإرادةٌ لا تساوم، وقرارٌ يضع معاناة الإنسان في مقدمة الأولويات. فالأزمات مهما تعقّدت، تبدأ بالانحسار حين تتوفر الشفافية، ويبدأ الانفراج حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن معاناته ليست رقمًا هامشيًا في تقارير باردة.
وإن كانت عدن اليوم تقف على حافة هذا "الثقب الأسود" من الأزمات، فإن الخروج منه لن يكون بكثرة الوعود، بل بصدق الأفعال؛ فإما أن تُستعاد المدينة إلى فضائها الطبيعي كوجهٍ للحياة، أو تُترك لتبتلعها العتمة أكثر... وعندها، لن يكون السؤال: لماذا حدث ما حدث؟ بل: لماذا صمت الجميع حتى حدث.


