تعز اليمنية: كارثة السيول تجرف أرواحاً في ريف المخا.. والمفقودون ينتظرون معجزة تحت الطين

انتشال 4 جثث وسط مشاهد مروعة.. وعشرات المركبات تغرق في طريق تعز الحيوي

تعز اليمنية: كارثة السيول تجرف أرواحاً في ريف المخا.. والمفقودون ينتظرون معجزة تحت الطين

تعز ( أبين الآن) تقرير: موسى المليكي

في مشهد يقطع الأنفاس ويمزق القلوب، تحولت أودية ريف المخا إلى قبور سائلة، والسيول الجارفة لم تترك سوى صرخات مكتومة تحت الطين والماء. أربع جثث انتشلت من بين أنقاض الطبيعة الغاضبة، واثنان لا يزالان في انتظار معجزة، فيما تبحث الأسر الحزينة عن أي أمل تحت وطأة المشهد الكارثي الذي ضرب منطقة النجيبة بريف مديرية المخا، غربي تعز.


المأساة التي لا تُطاق: أرواح تلفها السيل

بين لحظة وأخرى، انهارت الحياة في منطقة النجيبة. السيول لم تأتِ تدريجياً، بل انقضت كالسيل الجارف في ساعات الفجر الأولى، عندما كان المواطنون غارقين في نومهم أو يستعدون ليوم جديد. فاجأتهم المياه وهي تتسلل إلى المنازل، تجرف من يقف في طريقها، تبتلع الأرواح قبل أن تدرك العيون ما حدث.

وبينما كانت الأمطار تتساقط بغزارة غير مسبوقة، سمع الأهالي صرخات استغاثة، لكن المياه كانت أعلى من أي صوت بشري. في الصباح، بدأ مشهد الانتظار المؤلم: أربع جثث جرى انتشالها، بعضها لأطفال لم يتجاوزوا العاشرة، وآخر لامرأة كانت تحاول إنقاذ أبنائها. أما المفقودان، فما زال الأمل يخيم على العائلات التي تترقب أي خبر، في وقت تبحث فيه فرق الإنقاذ الأهلية بين الصخور والوحل، بإمكانيات لا تكفي لمواجهة هذا الكم الهائل من الدمار.

أحد سكان المنطقة قال بصوت يختنق بالدموع: “رأيت ابني يختفي أمام عيني، وحاولت الإمساك به لكن الماء كان أقوى. لا أعرف إن كان لا يزال حياً أم أن السيل أخذ روحه إلى حيث لا نعلم”.


طريق الموت: المخا – تعز شلل تام.

في الوقت الذي كانت فيه الأرواح تلفظ أنفاسها في النجيبة، كان الطريق الحيوي الذي يربط المخا بتعز يتحول إلى سجن إسمنتي طويل. السيول قطعت الطريق في منطقة الكدحة بين جبل حبشي والمعافر، ولم تترك سوى عشرات المركبات عالقة كأنها تماثيل من حديد وسط المياه.

مسافرون تحدثوا عن مشاهد أشبه بأفلام الرعب: أمهات يبكين خلف نوافذ السيارات، أطفال صغار يعانون الجوع والبرد، مرضى كانوا في طريقهم إلى المستشفيات تحولت رحلتهم إلى كابوس. الشاحنات الثقيلة غرقت عجلاتها في الوحل، والحافلات توقفت عن الحركة، والطريق غدا سداً منيعاً يمنع أي أمل بالوصول إلى مدينة تعز.

وقال أحد السائقين“قضينا الليل كله في السيارة، لا طعام ولا شراب. هناك عائلة معنا فيها طفل رضيع، وصحته بدأت تتدهور. لا نعرف متى ستنحسر المياه، ولا إن كنا سنصل أحياء إلى وجهتنا”.

صرخة استغاثة: أنقذونا قبل فوات الأوان.

في خضم هذه المأساة، خرجت أصوات مبحوحة من الأهالي والناشطين، تناشد العالم أجمع: أين السلطات؟ أين فرق الإنقاذ؟ أين المنظمات الإنسانية؟

النداءات لم تكن مجرد كلمات، بل كانت صرخات تخرج من قلوب مثخنة بالجراح. أهالي النجيبة والكدحة والقرى المجاورة طالبوا بتدخل عاجل، ليس غداً ولا بعد ساعات، بل الآن، قبل أن ترتفع حصيلة الضحايا، قبل أن تُدفن الأمل تحت الأنقاض والمياه.

المطالب كانت واضحة ومحددة:

· فرق إنقاذ متخصصة مزودة بمعدات الإنقاذ المائي والغوص.
· مساعدات إغاثية فورية: غذاء، ماء نظيف، أدوية، بطانيات.
· مأوى عاجل للأسر التي فقدت منازلها ولم يعد لها مكان تأوي إليه.
· فتح طريق المخا – تعز فوراً، وإيجاد حلول عاجلة للعالقين.

ووسط هذه الصرخات، كان التحذير الأهم: “لا تقتربوا من مجاري السيول، فالماء لا يرحم”.

سماء تمطر ناراً: حالة جوية استثنائية تضرب اليمن والخليج.

منذ فجر اليوم، والسماء لا تكف عن البكاء على اليمن. أمطار غزيرة غير مسبوقة تشهدها العديد من المحافظات، بفعل حالة جوية استثنائية امتدت لتشمل دول الخليج العربي، تسببت في تدفق السيول وإغراق الطرق، وأعادت إلى الأذهان مشاهد الكوارث الطبيعية التي لا تميز بين منطقة وأخرى.

مركز الأرصاد الجوية اليمني لم يكن متفائلاً في نشرته اليوم: أمطار رعدية ستستمر على السواحل الجنوبية والشرقية والغربية، وصولاً إلى أرخبيل سقطرى. الرياح ستنشط على باب المندب، مثيرة للأتربة والرمال، فيما المرتفعات الجبلية والسهول الداخلية لمحافظات المهرة، حضرموت، شبوة، الجوف، مأرب، والمنحدرات الغربية ستكون على موعد مع المزيد من الأمطار الرعدية.

أما المناطق الصحراوية والهضبية، فلن تسلم هي الأخرى: صحاري شبوة، حضرموت، المهرة، مأرب والجوف ستشهد طقساً غائماً مع أمطار رعدية ورياح نشطة.

مركز الأرصاد حذر المواطنين بأشد العبارات: لا تجازفوا بعبور الأودية، ابتعدوا عن مجاري السيول، فالحياة لا تعوض.


خطر داهم: هل ستتحول الكارثة إلى مأساة أكبر؟.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: ماذا بعد؟ مع استمرار التقلبات الجوية، وغياب التدخلات السريعة، وضعف قدرات الطوارئ المحلية، فإن المخاوف تتزايد من أن يكون ما حدث مجرد بداية لكارثة أكبر.

اليمن، الذي أنهكته الحروب والصراعات، أصبح اليوم واحداً من أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية. سيول كل عام تخلف وراءها أرواحاً تذهب ضحية غياب البنية التحتية، وطرقاً غير مؤهلة، وأنظمة إنذار مبكر شبه منعدمة. ولكن اليوم، في المخا، تجاوزت الكارثة كل التوقعات.

كلمة أخيرة: كم سننتظر؟

في الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، لا تزال فرق الإنقاذ الأهلية تبحث عن المفقودين، ولا تزال العشرات من المركبات عالقة على طريق المخا – تعز، ولا تزال الأسر المنكوبة تنتظر من يمد لها يد العون.

كم سننتظر حتى تتحرك السلطات؟ كم سننتظر حتى تتدخل المنظمات الإنسانية؟ كم سننتظر حتى ندرك أن تأخير دقيقة واحدة قد يعني خسارة روح إضافية؟

المشهد في المخا ليس مجرد خبر عابر، بل هو صرخة مدوية في وجه الإهمال والتقصير. فلتتحرك الجهات المعنية فوراً، ولتكن الاستجابة بقدر حجم الكارثة، فالوطن لا يحتمل المزيد من الخسائر، والأرواح التي ذهبت اليوم كانت أغلى من أي اعتبارات أخرى.