حينما تتحول النعمة إلى نقمة!
لم يعد ما يجري في القطاع الزراعي في اليمن الحبيب مجرد تراجع موسمي أو أزمة عابرة، بل أصبح انهيارًا ممنهجًا يُدفع إليه المزارع والمستثمر اليمني دفعًا حتى باتت الأرض – التي كانت مصدر عز وكرامة – عبئًا ثقيلًا يهدد من يتمسك بها بالخسارة والإفلاس.
نعم… نحن اليوم أمام مشهد صادم
موسم المانجو يفيض بالإنتاج، والبصل يتكدس في الأسواق، والخضروات تُرمى أو تُباع بأبخس الأثمان… وفي المقابل، المزارع يخسر، المستثمر ينسحب، والتاجر يتخبط، والمواطن يدفع الثمن.
أي منطق هذا؟!
كيف تتحول الوفرة إلى كارثة؟
وكيف يصبح الإنتاج الوفير لعنة بدل أن يكون نعمة؟
الجواب واضح… لكنه مؤلم
لأن الدولة غائبة… أو مغيّبة.
ما يحدث ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لبيئة طاردة للاستثمار الزراعي، بيئة تُحارب الإنتاج بدل أن تحميه، وتخنق المزارع بدل أن تدعمه.
منذ سنوات، والمستثمرون في القطاع الزراعي – بشقيه النباتي والحيواني – يتلقون الضربة تلو الأخرى..
-خسائر فادحة في محاصيل المانجو والبصل والخضروات.
-ضياع اهم المحاصيل النقديه مثل القطن والبن
-خسائر متواصلة في قطاع الدواجن نتيجة اضطراب العملة وارتفاع التكاليف.
-انهيار أسعار دون أي تدخل حكومي لحمايتها.
-غياب تام لسياسات التخزين أو التصدير.
-تجاهل كامل لإنشاء صناعات تحويلية تستوعب الفائض.
وكأن الرسالة واضحة..
ازرع… ثم اخسر… ثم ارحل!
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد…
فالتقلبات الحادة في سعر العملة، من 750 إلى 390، ألقت بظلالها الثقيلة على كامل القطاع الزراعي، ومع ذلك ظلت الأسعار في الأسواق شبه ثابتة، وكأن المنتج وحده هو من يتحمل الخسارة.
من يتحمل هذا الفرق؟
الإجابة ببساطة.. المنتج… حتى يُستنزف… ثم يخرج من السوق.
أما الحديث عن دعم وتشجيع الاستثمار، فذلك مجرد شعارات تُرفع في القاعات المكيفة، وتُستهلك في ورش ودورات لا تسمن ولا تغني من جوع.
ورش تُقام…أموال تُصرف…
تقارير تُكتب…وصور تُلتقط…
لكن على أرض الواقع؟
لا شيء يتغير.
السبب ليس نقص الإمكانيات… بل غياب الإرادة، وانعدام التوجيه الصحيح.
فالمنظمات الدولية – رغم دعمها الكبير – تُهدر جهودها حين لا تجد شريكًا حكوميًا صادقًا يوجه هذا الدعم إلى مستحقيه.
والمصيبة الأكبر…أن كثيرًا من هذه الدعومات لا تصل أصلًا إلى المزارع الحقيقي، بل تُمنح لغير المستحقين، فتضيع الفائدة، ويتكرر الفشل، وتُهدر الفرص.
ثم تأتي الجبايات غير القانونية… لتكمل المشهد العبثي، فتُفرض على التاجر والمزارع بلا وجه حق، لترفع التكاليف وتُثقل كاهل الجميع، حتى يصبح الاستمرار في هذا القطاع ضربًا من الجنون.
النتيجة الحتمية؟هروب المستثمرين...عزوف المزارعين..انهيار الإنتاج المحلي.
وفتح الباب واسعًا أمام الاستيراد.
وهنا نصل إلى الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف..
ما يحدث اليوم هو طرد صامت للاستثمار الزراعي من البلاد.
وإذا استمر هذا الوضع، فلن نحتاج إلى سنوات طويلة لنفقد ما تبقى من قدرتنا على الإنتاج، وسنصبح رهائن للأسواق الخارجية، نأكل مما يُفرض علينا، لا مما نزرعه بأيدينا.
أيها المسؤولون …
الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا يمكن تجاهله، بل هي عمود الأمن الغذائي، وصمام أمان الاقتصاد، ومصدر عيش الملايين.
إن كنتم جادين – ولو لمرة واحدة – فابدؤوا بما يلي....
-وضع سياسات حقيقية لحماية المنتج المحلي.
-البحث عن أسواق خارجيه وفتح أبواب التصدير على مصراعيه
-دعم التصنيع الزراعي لاستيعاب الفائض.
-وقف استيراد اي منتجات زراعيه موجوده محليا بكثره
-وقف الجبايات غير القانونية فورًا.
توجيه دعم المنظمات إلى مستحقيه بشفافية.
-تقييم حقيقي للبرامج والمشاريع بدل الاكتفاء بالشعارات.
غير ذلك…
فكل ما يُقال عن دعم الزراعة ليس سوى كلام في الهواء.
وفي الختام…
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى،
ومن يفرّط في أرضه وزراعته…
يفرّط في سيادته وكرامته.


