الوطنُ للإيجار .. والربحُ للقادة! 

منذ عقودٍ واليمنُ ، بشماله وجنوبه ، لا يكفُّ عن الدوران في ساقيةِ الوهم ، يحرثُ البحرَ وينتظرُ الحصاد ، بينما النتيجةُ دائماً هي ذاتها :« خسارةُ شعب.. وانتصارُ فرد أو حزب » .

في كل منعطفٍ سياسي ، وعند كل زلزالٍ يضربُ استقرارنا الهش ، تبرزُ الحساباتُ والتحليلاتُ وموازين الربح والخسارة، لكنّ الميزان في بلادنا معطوبٌ منذ الأزل .. كفّتهُ الراجحةُ دائماً هي مصلحةُ القائد ، وسُلالته ، وجوقةُ المطبلين التي تدور في فلكه ، بينما يغرقُ الشعبُ في كفّةِ الخسران المبين .

​إنّ المتأمل في مسيرةِ التحولات اليمنية ، يجدُ فجوةً سحيقةً بين تضحيات الناس ونتائج الواقع .. فالتغييرُ الذي ينشدهُ البسطاء بدمائهم وأعصابهم ، لا يلبثُ أن يتحوّل إلى غنيمةٍ باردةٍ في أيدي فئةٍ لم تشبع يوماً من التهامِ أحلام الناس . 
قد تتغيّر الوجوه ، وتتبدّل الأسماء ، وتتنوع الشعارات ، لكنّ الجوهر يظلّ ثابتاً كصخرةٍ صماء : القادةُ يزدادون ثراءً ، وتنتفخُ أرصدتهم البنكية في عواصم العالم ، وتتحسنُ جودة حياة حواشيهم الذين يبيعون الوهم للناس بمقابلٍ مجزٍ ، بينما يبقى المواطنُ اليمني، من المهرة إلى صعدة، ومن عدن إلى صنعاء ، وحيداً يصارعُ الفقر ، ويقتاتُ من فضلاتِ الخدمات المنهارة ، ويقفُ في طوابير المعاناة الطويلة التي لا تنتهي .

​إنها مفارقةً موجعةً أن تمرَّ العواصفُ ، فلا تقتلعُ إلا أحلام الفقراء ، ولا تتركُ خلفها إلا حصوناً مشيدةً للقيادات الجدد ؟ إننا نعيشُ حقبةً من « الانتصارات الذاتية » التي تُبنى على أنقاض الوطن وتضحيات المواطن ، حيثُ يصبحُ النصرُ المزعوم في أي مرحلة مرادفاً لعددِ العقارات والشركات والأتباع ، لا لعددِ المدارس والمستشفيات وفرص العيش الكريم . 

لقد أدمنَ الساسةُ في بلادنا تحويلَ الكوارث إلى فرصٍ استثمارية ، وتحويلَ صرخات الجوعى إلى موسيقى خلفية لمجالس أنسهم ، في مشهدٍ مخزِ يُثبتُ أنَّ الخاسر الوحيد في كلِّ تسوية ، وفي كل صراع ، وفي كل اتفاق ، هو ذلك اليمني البسيط الصابر الذي لم يجد من « القيادة » إلا الوعود ، ومن « التغيير » إلا تدوير النفايات أو تبديل الوجوه بوجوهٍ أكثر شراهةً وأقل حياءً .

إنَّ مأساة اليمن بشماله وجنوبه ليست في قلةِ موارده ، ولكن في نخبته التي ترى في الشعب مجرد وقودٍ لمشاريعها الخاصة ، ووطناً للإيجار ، وربحاً صافياً لا يدخلُ في حساباتِ أحدٍ سوى أرصدتها الشخصية .