أبين… حين تتهيّأ اللحظة ويُختبر الوعي ،،
في الأزمنة الفارقة لا تُقاس اللحظات بمرور الوقت، بل بقدرتها على إعادة تشكيل المعنى، وصياغة مصيرٍ جديدٍ لمدنٍ أنهكها التيه.
وأبين وهي تقف اليوم على تخوم مرحلةٍ حساسة من تاريخها، تبدو كأنها تُمنح فرصةً نادرة لتستعيد ذاتها من بين ركام الأعوام الثقيلة.
في هذه اللحظة يتقدّم إلى موقع المسؤولية رجلٌ لم تصنعه ضوضاء الصراعات، ولا صقلته معارك الاصطفاف، بل تشكّل في فضاءٍ أكثر نقاءً، بعيدًا عن تلوّث الانقسامات.
لذلك لم يكن الإجماع الذي حظي به أمرًا عابرًا، بل انعكاسًا لحاجةٍ عميقة لدى مجتمعٍ أنهكته الخلافات، إلى شخصيةٍ تقف على مسافةٍ واحدة من الجميع، وتُجيد مخاطبة القواسم المشتركة بدل تغذية الفوارق.
لقد عرفت أبين عبر سنواتٍ طويلة كيف يمكن للصراعات أن تتحول من خلافاتٍ عابرة إلى قدرٍ ثقيل، وكيف يمكن للانقسامات الجهوية والحزبية والقبلية أن تعيد تشكيل الواقع على نحوٍ يُقصي التنمية، ويُكرّس التراجع.
لم تكن تلك الصراعات مجرد أحداثٍ سياسية، بل كانت نزيفًا مستمرًا في جسد المحافظة، استنزف طاقاتها، وبدّد فرصها، وجعلها ساحةً مفتوحةً لقوى لا تعبأ بمصير الإنسان فيها.
ومن هنا فإن ما تعيشه أبين اليوم ليس مجرد انتقالٍ إداري في هرم السلطة، بل هو امتحانٌ وجوديّ لإرادة مجتمعٍ بأكمله:
هل يستطيع أن يتجاوز ذاكرة الانقسام؟ وهل يملك الشجاعة ليؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالأدوات القديمة؟
ثمة ما يوحي بأن بارقة الأمل ليست واهية؛ فملامح القيادة الجديدة تحمل سمات الجدية، وإشارات الرغبة في التغيير، وطموحًا لا يقف عند حدود إدارة الواقع، بل يسعى إلى إعادة صياغته...
غير أن التاريخ يُعلّمنا أن النوايا الحسنة مهما كانت صادقة..... لا تكفي وحدها لصناعة التحوّلات ما لم تجد لها سندًا في وعيٍ جمعيٍّ يحميها، ويترجمها إلى فعلٍ مستدام.
إن أبين بكل ما تختزنه من إمكانات، لا تزال أرضًا لم تُستثمر كما ينبغي، كأنها كتابٌ لم تُقرأ صفحاته بعد...
في باطنها ثروات، وفي جغرافيتها فرص، وفي إنسانها طاقةٌ قادرة على أن تُحدث الفارق إن وُضعت في المسار الصحيح.
لكنها في المقابل لا تزال تقف على حافة مفترقٍ دقيق، حيث يمكن لكل خطوةٍ خاطئة أن تعيدها إلى دوامة الماضي.
لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في شخص المحافظ بقدر ما يكمن في البيئة التي ستحتضن مشروعه:
بيئةٌ تتجاوز الحسابات الضيقة، وتُقدّم مصلحة أبين على ما سواها، وتدرك أن التكاتف ليس خيارًا تجميليًا، بل شرطٌ وجوديّ لأي نهوضٍ مرتقب.
فيا أبين العز :
إن اللحظات الكبرى لا تُنادي أحدًا مرتين؛ فإذا لم يُحسن الناس الإصغاء إليها، مضت تاركةً وراءها صدى الندم.
وأبين اليوم أمام نداءٍ واضح: أن تُعيد تعريف نفسها....
لا كأرضٍ أنهكتها الصراعات، بل كمساحةٍ قادرة على النهوض حين يتصالح أبناؤها مع فكرة الوطن داخل حدود محافظتهم.
فإما أن تتحوّل هذه اللحظة إلى بدايةٍ تُكتب بحبر الإرادة والوعي، وتفتح لأبين بابًا نحو مستقبلٍ يليق بها، أو تُهدر كما أُهدرت فرصٌ كثيرة من قبل…
وحينها لن يكون الزمن قاسيًا بقدر ما سيكون السؤال أشد قسوة:
لماذا لم نغتنم الفرصة حين كانت بين أيدينا ؟؟!!!


