العيد لكم ياللصوص

بقلم: موسى المليكي.

العيد لكم ياللصوص يامن جعلتم من الخراب منهة ومن الكذب برنامج عمل يومي العيد لكم لأنكم وحدكم من يحتفل فعلاً بينما نحن نؤدي طقوس العيد كما يؤدي الممثل دوراً باهتا على مسرح بلا جمهور.

هل يستطيع العيد أن يحتفظ ببهجته في بلدٍ أثقلته الأزمات، وأرهقته سنوات الحرب والمعاناة؟.. سؤال يتردد في أذهان كثير من اليمنيين مع اقتراب عيد الفطر، فالعيد الذي كان يوماً مناسبة للفرح واللقاءات العائلية، أصبح اليوم يأتي على واقعٍ مثقل بالهموم، حيث يعاني الناس من انقطاع المرتبات وارتفاع الأسعار وغياب الكثير من المساعدات التي كانت تسند بعض الأسر في مثل هذه المناسبات.

في اليمن، لم يعد الحديث عن العيد يبدأ بشراء الملابس الجديدة أو تجهيز موائد الحلويات كما كان في الماضي، بل يبدأ بسؤال أكثر بساطة وأشد قسوة: كيف يمكن للأسرة أن توفّر الحد الأدنى من احتياجاتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة؟.. فالكثير من الموظفين لم يتسلموا مرتباتهم منذ فترات طويلة، والعمال البسطاء يواجهون تراجعاً كبيراً في فرص العمل، فيما تتآكل القدرة الشرائية يوماً بعد آخر بسبب ارتفاع الأسعار.

هذه الظروف جعلت الاستعداد للعيد أكثر تواضعاً، وربما أكثر واقعية.. فالأب الذي كان يحرص في كل عام على شراء ملابس جديدة لأطفاله، أصبح اليوم يكتفي بتوفير الضروريات إن استطاع، والأم التي كانت تعدّ أصناف الحلويات التقليدية تحاول الآن أن تخلق فرحة بسيطة بما يتوفر لديها من إمكانات محدودة.. ومع ذلك، فإن روح العيد لا تزال حاضرة في تفاصيل صغيرة يصنعها الناس بإرادتهم، رغم قسوة الواقع.

لكن الحقيقة التي بدأت تترسخ في وعي الكثيرين هي أن جوهر العيد لا يقاس بما نشتريه، بل بما نمنحه من مشاعر إنسانية.. فالعيد في معناه الأعمق هو مناسبة للتواصل وصلة الأرحام، كما انه يعد اكبر فرصة لإحياء الروابط العائلية التي قد تضعفها مشاغل الحياة أو ظروفها الصعبة.. وربما تكون هذه القيم هي ما يحتاجه المجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في زمن الأزمات، تصبح صلة الرحم والزيارات الصادقة والسؤال عن الأحوال أكثر قيمة من أي هدية أو "عيدية".. وقد يكون الاتصال الهاتفي أو اللقاء العائلي البسيط كافياً لإدخال الفرح إلى قلب قريبٍ أو جارٍ يمر بظروف صعبة.. فليس المهم أن يقدّم الناس المال المعروف بالمعايدة، بقدر ما هو مهم أن يشعر الجميع بأنهم ما زالوا جزءاً من عائلة ومجتمع يتشارك المحبة والاهتمام.

ولعل في الثقافة اليمنية ما يذكّرنا دائماً بهذه الحقيقة؛ فالمثل الشعبي يقول: "العيد عيد العافية".. أي أن أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان في العيد ليس المال ولا المظاهر، بل الصحة والسلامة ووجود الأحبة من حوله.. وهذه الحكمة البسيطة تختصر معنى العيد الحقيقي، خاصة في زمنٍ أصبحت فيه العافية نفسها نعمة كبيرة.

ومن هنا، ربما يكون العيد هذا العام فرصة لإعادة اكتشاف معناه الأصيل.. أن نخفف عن بعضنا بالكلمة الطيبة، وأن نتبادل الزيارات ولو كانت بسيطة، وأن نتفهم ظروف بعضنا البعض دون حرج أو لوم.. فالتقدير المتبادل والتراحم بين الناس يمكن أن يصنعا فرحة حقيقية، حتى في أصعب الظروف.

وفي الاخير، يبقى الأمل هو الزائر الذي لا يجب أن يغيب عن بيوت اليمنيين، مهما اشتدت الأزمات.. فالأعياد كانت دائماً رمزاً للتجدد، وتذكيراً بأن الحياة قادرة على أن تمنح الناس فرصة جديدة للفرح.