صمت الأبطال وضجيج المدعين

بقلم: أ.د مهدي دبان

يشهد التاريخ الكثير من الاختلالات والخلافات، وحتى الرغبة في السيطرة، والتي تؤدي إلى حروب يشنها البعض على الآخر، فتخلف كوارث وخيمة وانعكاسات قاسية على المجتمعات. وفي قلب تلك العواصف، تتجلى الحقيقة بلا زيف: معتد متجبر، ومعتدى عليه، مجرم يحاول السيطرة، ومدافع بطل يحاول الصمود والذود عن العرض والكرامة والأرض. هناك حيث تختبر القيم، لا يُسمع إلا صوت التضحية، ولا يرى إلا ثبات الرجال الذين يحملون أوطانهم في صدورهم، ويقدمون أرواحهم دون انتظار مقابل.
لكن، وبعد أن تنتهي تلك الحروب وينقشع دخانها بانتصار القوى المقاومة البطولية، تبدأ فصول أخرى أكثر تعقيدا. تظهر فئات تحاول أن تبسط سيطرتها على المجتمع بحجة أنها ناضلت وقدمت الكثير، وأنها الأحق بالاستئثار بالسلطة أو المال، أو حتى أن تكون في مركز الاهتمام المستمر. وهنا تتغير المعاني، ويختلط الصدق بالمصالح، ويفهم النضال على أنه وسيلة لا غاية، وكأن التضحيات لم تكن لله ولا للوطن، بل كانت طريقا للوصول إلى المكاسب ...
والأسوأ من هذه الفئة، فئة أخرى تدعي أنها كان لها دور كبير، وقدمت النفس رخيصة، بينما كانت مختبئة، تراقب من بعيد، وتنتظر نهاية المعمعة لتظهر فجأة بثياب البطولة. هؤلاء لا يكتفون بتزييف الواقع، بل يسلبون الأبطال الحقيقيين حقهم، ويشوهون ذاكرة المجتمعات، حتى يصبح الصادق غريبا، والمدعي بطلا في عيون البعض. فيغيب الصوت الحقيقي… صوت أولئك الذين صنعوا النصر بصمت.
إن أخطر ما بعد الحروب ليس فقط ما خلفته من دمار، بل ما تتركه من اختلال في القيم، حين يكافأ الادعاء ويهمش الإخلاص. ، ولا يتم التمييز بين من ضحى بصدق، ومن تاجر بتلك التضحيات.