نرحل… ويبقى الأثر - رثاءٌ وموقف
نم قرير العين اخي الشهيد شمسان ؛ خرجت من المسجد وعدت إليه، خطبت الجمعة وختمتها بمحاضرة، موقنًا أن دربك الشهادة… فكانت خاتمتك الحسنة كما سعيت.
قطّاع الطريق ومثيرو الفتن نالوا من الجسد ولم ينالوا المقام. هنيئًا شهادةٌ جاءتك وأنت أعزل إلا من القرآن والإيمان: إمامٌ وخطيبٌ ومعلمٌ مربٍّ، لا درب لك إلا المسجد والبيت والمدرسة. لم تكن خصمًا لأحد، لكنك كنت خصمًا للفتنة والجهل.
يا ابن الشهيد وحفيد الشهيد، حملت اسم العائلة كما يُحمل الأمانة؛ فكنت امتدادًا لمسيرةٍ عنوانها الإصلاح. في الكديراء، كان صوتك في خطبة الجمعة صوتَ عقلٍ واعتدال، وكانت محاضرة العصر دليلًا على أنك لا تكتفي بالمنبر، بل تسعى إلى الناس في تفاصيلهم. بين المغرب والعشاء ارتقيت؛ توقيتٌ كأنه تلخيصٌ لحياةٍ انتظمت على إيقاع الصلاة والدرس والعمل.
يبكيك المسجد أكثر من الأهل؛ فالمحراب يفتقد وقفتك، والمنبر يفتقد نبرتك، وصفوف المصلين تتلمّس خطوك. تلاميذك في مدرسة أنس بن مالك يحفظون عنك أن العلم سلوكٌ قبل أن يكون كلامًا، وأن التربية قدوةٌ قبل أن تكون توجيهًا. أهالي الكديراء يذكرونك في إصلاح ذات البين، في مبادرات الخير، في ابتسامةٍ لا تتكلّف، وفي حضورٍ لا يطلب الأضواء.
لم يحمل قتلتُك شجاعة المواجهة، بل غدر الكمين وإغلاق الطريق. ظنّوا أن الرصاص يُسكت الكلمة، وفاتهم أن الكلمات التي تُقال في بيوت الله تُصبح ضميرًا عامًا لا يموت. أرادوا إخراس المنبر، فإذا بالمنبر يعلو صداه في كل بيت. نالوا من الجسد، ولم ينالوا المقام.
لا حزن عليك، بل علينا نحن المقصّرين؛ على زمنٍ صار فيه المصلح هدفًا، وصار فيه قطاع الطريق يجرؤون على طريق الناس. الخزي للجبناء الحاقدين الذين يضيقون بكل تقدّم، ولمن سهّل وغطّى وبرّر. أما أنت، فقد مضيت خفيفًا نظيفًا، يشهد لك محرابك ومنبرك وتلاميذك ودعوات البسطاء.
نرحل… ويبقى الأثر. وسيبقى اسمك في الكديراء مرتبطًا بالجمعة التي خطبتها، وبالدرس الذي ختمت به، وبالخاتمة التي تورث الأثر وأجر الدنيا والآخرة.


