الجنوب .. بين غياب القيادة والصلابة الشعبية!

لطالما حاول المرجفون والمتربصون بالقضية الجنوبية تصوير المشهد على أن الحراك الشعبي الجنوبي مجرد « ريموت كنترول » في يد مكون هنا أو قائد هناك ، ولطالما روجوا لفكرة أن غياب الهيكل التنظيمي أو تراجع حضور المجلس الانتقالي - الذي يبدو اليوم في حالة من الذوبان الإداري أو الغياب الفعلي للقيادة عن الأرض وانقطاع تراتبية الأوامر العسكرية - يعني بالضرورة موت القضية وجفاف عروق الثورة .
لكن الواقع الذي يسطره أبناء الجنوب اليوم في الساحات ، وفي حضرموت تحديداً ، يصفع تلك الأوهام ويعيد ترتيب الحقائق كما هي لا كما يشتهيها الخصوم .

​إن استمرار الغليان الشعبي وتنظيم المسيرات والمظاهرات ولمليونيات بزخم كبير بين الحين والآخر ، رغم حالة « الانحلال » التي مست مفاصل العمل المؤسسي للمجلس الانتقالي واختفاء قياداته عن المشهد المباشر ، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الثورة الجنوبية ليست رهينة لشخص ، ولا هي محصورة في مكون سياسي يضيق أو يتسع . 
إنها ثورة وعي وطني تجري في عروق الشعب ، يتحرك فيها الإنسان الجنوبي بدافع ذاتي أصيل كلما استشعر أن هناك خطراً يحاك في الغرف المغلقة والملغمة ضد سيادته ، أو كلما شم رائحة مؤامرة تهدف لإعادة تسويق وفرض « مشروع اليمننة » البائس تحت مسميات براقة وأعذار واهية ، تسعى في حقيقتها لإعادة تموضع القوات الشمالية في أرض الجنوب من جديد .
​وما تعرض له المتظاهرون السلميون العزل في حضرموت من قمع وحشي واعتداءات سافرة ، ليس إلا امتداداً قبيحاً لتلك الأساليب الرخيصة التي كان ينتهجها نظام صنعاء البائد ، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم ، ويجب أن يدرك من خطط لها ونفذها أن دماء الجنوبيين حين تعمد الساحات لا تزيد الشعب إلا إيماناً عميقاً بعدالة قضيته ، وإرادة صلبة لا تكسرها هراوة ولا يردعها رصاص، فكل قطرة دم تسقط هي وقود جديد لمحرك استعادة الدولة ، وليست مبرراً للتراجع أو الانكسار .
​هذه الهبة الشعبية هي في جوهرها رسالة صريحة ومباشرة للأشقاء في التحالف العربي ، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ، مفادها أن الوقت قد حان لإعادة النظر في طريقة التعاطي مع ملف القضية الجنوبية . فالجنوبيون الذين كانوا الشريك الصادق والوحيد في كسر التمدد الحوثي - وهو الهدف الاستراتيجي الأكبر للتحالف حينها - لا يمكن تجاوز تطلعاتهم أو القفز على إرادتهم .