محمود سبعة.. حين يزهر الوفاء في خريف العمر وتعب الجسد

هناك قامات تربوية لا تُقاس سنوات عطائها بالتقويم الزمني، بل بمقدار الأرواح التي شكلتها والعقول التي أنارتها. والأستاذ القدير محمود سبعة هو أحد هؤلاء الذين حفروا أسماءهم في وجدان "أبين" عموماً، و"خنفر" خصوصاً، بمدادٍ من صدق وإخلاص لا يمحوه غياب ولا يضعفه تعب.
درسٌ بليغ في حضرة الوفاء:
زيارته اليوم لمكتب التربية لم تكن مجرد "زيارة عابرة" أو إجراءً إدارياً، بل كانت تجسيداً حياً لمعنى الانتماء. في الوقت الذي ينشد فيه الكثيرون الراحة عند المرض، يصرّ الأستاذ محمود أن يطلّ بوقاره المعهود، رُغم ثقل التعب الذي يرتسم على جسده، ليقول لنا بصمت: "إن المربي لا يتقاعد عن رسالته إلا حين يتوقف النبض". لقد حضر ليمنح المكان "روحاً" افتقدته، وليؤكد أن هيبة المؤسسات تُستمد من هيبة الرجال الذين بنوا لبناتها الأولى.
أيقونة (خنفر) ومنارتها:

يا أستاذنا القدير، إن جدران المدارس التي مررت بها، والأجيال التي تخرجت من تحت يديك، تحفظ لك من الودّ ما لا تسعه المجلدات. 

لقد كنت -ولا تزل- المنارة التي نهتدي بها حين تضل بنا السبل التربوية، وكنت الأب الذي يستوعب الجميع بقلبٍ يتسع لاتساع هذه الأرض. 

حضورك اليوم رغم المعاناة الصحية  "الدرس الأخير" في منهجك الطويل؛ درسٌ في القوة، والشموخ، والوفاء للرسالة المقدسة.

دعواتنا تسبق كلماتنا:
يا من علمتنا أن الكلمة أمانة، نرفع أكفنا إلى السماء سائلين الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يمنّ عليك بشفاءٍ عاجل، وأن يسكب على جسدك الطاهر برداً وسلاماً وعافيةً لا تنقطع.

 اللهم بارك في عمره، واجعل كل تعبٍ يشعر به كفارةً ورفعةً، وكل حرفٍ علّمه لأجيال خنفر في ميزان حسناته، جبالاً من النور تضيء له دربه.

ستظل يا أستاذ محمود الأثر الجميل الذي لا يزول، والقدوة التي نقتفي أثرها، والرمز الذي نفخر بأننا عاصرناه وتعلمنا منه أن التربية "حب" قبل أن تكون "مهنة".

طهور إن شاء الله، ودمتَ فخراً وذخراً لنا وللوطن.