أبو باسل النسري.. شاعر النضال والوفاء وصوت الجنوب الثائر
أتحدث عن شخصية فذة وعلم من أعلام الجنوب، شاعرٌ لمع اسمه كرمز نضالي، وذاع صيته كرجل ثوري آثر الكفاح والمعاناة في سبيل التحرر الوطني وبناء الدولة الجنوبية. مثّل الوطنية في أبهى صورها، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من شعره وحياته، إنه الشاعر والثائر المناضل، والسياسي المثقف (أبو باسل النسري)، الذي ترك بصمته في مسيرة النضال الجنوبي، كواحد من الأوائل المؤسسين للثورة الجنوبية، ورمزٍ من رموزها.
هو عبدالكريم ابن الشيخ العلّامة قاسم عبيد ناصر النسري، المولود في عام 1963م، منطقة النسري مديرية حالمين محافظة لحج، والمعروف عن منطقة النسري التي ينتمي إليها الشاعر وينحدر منها، أنها دائماً ما ظلّت ولّادة وزاخرة ورائدة بالهامات البارزة التي أضاءت سماء الوطن بنور الحرية والاستقلال، منهم على سبيل الذكر لا الحصر المناضل الفقيد الدكتور عبدالله أحمد النسري، والمناضل الأكتوبري ثابت علي ثابت النسري، واللواء علي ناجي عبيد.
نشأ شاعرنا المغوار ابو باسل النسري وترعرع في منطقة النسري، وتلقى تعليمه الابتدائي والاعدادي في "مدرسة الدهالكة" وهي مدرسة مُحاذية لمنطقة النسري، وتعتبر ثاني مدرسة ـ بعد الاستقلال ـ تأسست في مديرية حالمين بعد مدرسة "الثورة _ الضباب"، وثم انتقل إلى مدرسة الشهيد لبوزة لاستكمال المرحلة الإعدادية، ونظراً للظروف المعيشية الصعبة، التي حالت بينه وبين مواصلة التحصيل العلمي، التحق في السلك العسكري مطلع العام 1982م، وبعد عامين من أداء الخدمة العسكرية، التحق في وزارة أمن الدولة واستطاع منها أن يواصل تعليمه الثانوي وتحصل على عدد من الدورات والخبرات في مجال عمله، حيث يعد من أبرز ضباط أمن الدولة في زمن دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتعرض لاحقاً إبان الوحده اليمنيه، كغيره من ضباط الجنوب للاقصاء والتهميش، لعدد من الاعتبارات السياسية، ولمواقفه الرافضة للاحتلال الشمالي.
أكمل الشاعر أبو باسل النسري مسيرته النضالية، حيث كان من أوائل المناضلين الذين انخرطوا في الحراك الجنوبي السلمي منذ انطلاقه في العام 2007م، وكان له دور بارز في قيادة وتوجيه الحراك في مديرية حالمين، كما كان من أبرز المشاركين في فعاليات التصالح والتسامح الجنوبي وله العديد من المشاركات الواسعة في مختلف المناسبات الثورية والوطنية، التي ألقيت فيها كلماته الشعرية وألهبت حماس الجماهير، وأكدت على وحدة الصف الجنوبي، ورفض الاحتلال اليمني، فقد كان صوته بين الجماهير الجنوبية فاعلاً ومؤثراً، وداعماً معنوياً وتوعوياً وفكرياً وثقافياً وهو ما جعله واحداً من أبرز رموز النضال الوطني، وأحد أبرز شعراء الثورة الجنوبية.
وللشاعر ابو باسل النسري، بداهة عجيبة، وقدرة فائقة على نظم الشعر، فهو شاعر متمكن، يجيد التعبير عن مشاعر الجماهير الجنوبية وهمومها وهموم مجتمعه، ويمتلك رؤية عميقة للقضايا والأحداث، وللشاعر ذوق راقي، وإحساس مرهف وجياش، وتجد في شعره تنوع جميل، وأغراض متعددة.. فهو إلى جانب قصائده الثورية والوطنية التي غلبت على أشعاره نتيجة المسار السياسي والحركة الثورية والوطنية التي عاشها وآثرها، يجيد كتابة قصائد الرثاء والغزل والحكمة والوصف والفخر، وتتسم قصائده بالصدق والعمق، وقد تغنى بقصائده العديد من الفنانين، وأُعجب بها الكثير من الأدباء والكتاب.
غير أني وجدتُ قصائد الرثاء التي كتبها لا بيده بل بقلبه، تنبض بالحزن والأسى، وتكشف عن شاعرٍ عاش ألم اللحظة بكل جوارحه، ورسمها بألوان من القصيد المؤثر، جسّد فيها روح الوفاء والاخلاص بأصدق معانيها، وعبر عن مشاعره الأليمة برحيل أحبابه وأعزائه بقصائد مرثية جمعها في ديوان شعري سمّاه (دموع القصائد في رحيل الأماجد) وهو أول كتاب يتضمن هذا النوع من الشعر، ويضم فيه معظم مراثي الشاعر، ويستعرض فيها فداحة الخسارة، مع تصوير حياة الراحل بأسلوب مُؤثر يبرز فيه مدى تأثره وحزنه، مُستشهداً بمناقب الراحلين وفضائلهم على الوطن والمجتمع.
وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي فالشاعر أبو باسل النسري، يعد شخصية متسمة بالأخلاق والقيم الرفيعة، وله شعبية جارفة، وأدواره في إصلاح ذات البين كبيرة حيث ساهم في حل العديد من النزاعات القبلية، وكان له دور فاعل في تعزيز روح التسامح والتصالح والتآخي بين أبناء الجنوب، وترسيخ ثقافة السلام والتعاون داخل المجتمع.
وقصدي من كتابة هذا المقال عن الشاعر أبو باسل، ليس المدح فهو غنيٌ عنه، إنما هو أولاً لإبراز دوره النضالي والشعري، وتسليط الضوء على مسيرته الإبداعية، ومساهماته في تعزيز العلاقات والمحبة والسلام بين أبناء الجنوب، ولإعادة الاعتبار لرموز النضال الجنوبي، وثانياً لأنني أريد استحضار مثل هذه الشخصيات الوطنية العظيمة وإسقاطها على واقعنا الحالي ليكونوا قدوةً ومثالاً يُحتذى به في النضال والوفاء والإخلاص والعمل الوطني، كوننا نفتقد في جيلنا وواقعنا الحالي للشخوص الوطنية وأصحاب القيم الأصيلة، فقد اُبتلينا بواقع مُر غلب عليه صوت الغوغاء وارتفعت فيه أصوات المُزايدين ومدعي الوطنية الجوفاء، وغاب عنه صوت الحكمة، وضاعت فيه معاني الانتماء والوفاء والإخلاص في العمل الوطني!
ولا أجد أبياتاً شعرية تصف واقعنا وتختصر مشهدنا الحالي أصدق وأوضح من الأبيات الشعرية التي كتبها أبو باسل مُعبراً وواصفاً ما وصلنا إليه، فقال:
أبو باسل النسري في المرحلة ورط
وياما بشر مثله بها قد تورطه
مشينا مع كل العضاريط والزطط
وجابوا النماره للثعالب مربطه
فما عاد فكرنا في الصح والغلط
غلط في غلط نمشي بوعره ملخبطه
مشينا لحد ما دخلونا إلى الوسط
وسط بحر وأمواجه علينا محوطه
فكم من نمر في داخل البحر قد سقط
نمار الخلا تصبح وتمسي محلبطه
خساره على من مات منهم ومن فرط
عليها وهي ذي نفذه به وخططه
شلل فاسده تجري ورا الفيد والزلط
زلط واجده تبطش وتصرف وورطه
شلل عبأت لأكياس بالمال والشنط
بتطعن بظهري طعن خلفي وخططه
فقد جزعوها بي على هذا النمط
وكم ناس ياكم ذي عليهم تمزنطه
من الميه والعشرين ستين قد هبط
بساعه تزيد الضغط عندي وهبطه
لمه هكذا قلبي في النبض اختبط
عجز منه الدكتور مقدر يضبطه
فيـ الله يا عازم تعنى لنا بخط
بخط وانسخه لي ثم خصه وانقطه
لأشخاص تفهم بالسياسة وبالخطط
تشلي كتابي بالحروف المنقطه
وختمتها عديت ما حجبه اشتخط
وشن المطر بعده ولمزان حطحطه
وصلوا على المختار في آخر المحط
رسول الهدى ذي حبه الله وحوطه
وبهذا، نختم حديثنا عن الشاعر أبو باسل النسري، راجين أن تكون مسيرته النضالية والإبداعية قد ألهمتكم، وأن تظل قصائده خالدة في ذاكرة الأجيال، شاهدة على نضاله وتضحياته من أجل الوطن والحرية، ومن أجل الوفاء والمحبة والسلام.


