هرمز بعد الهدنة.. الفرص الاستراتيجية للخليج واليمن
في لحظة حرجة على صعيد الأمن الإقليمي، جاءت الهدنة بين واشنطن وطهران، بوساطة باكستانية وموافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتشكل نقطة تحول مؤقتة في مسار التصعيد. وقد تزامن ذلك مع إعادة فتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية، في خطوة تحمل ابعاداً اقتصادية وأمنية بالغة الحساسية.
غير أن هذا التطور لا يعكس نهاية الصراع، في ظل معادلات لم تحسم بعد، بقدر ما يفتح المجال امام طهران لإعادة التموضع ضمن سياق المواجهة ذاتها. وفي المقابل، يمنح واشنطن فرصة لاحتواء تداعيات التصعيد، خاصة في ظل إشارات سابقة الى محدودية الدعم الأوروبي والأطلسي، كما المح اليه ترامب في اكثر من مناسبة.
لقد اثبت الصراع أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل أداة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية. فالتهديد الإيراني السابق بإغلاق المضيق او التحكم في المرور كشف مدى اعتماد دول الخليج عليه. بينما تمكنت السعودية وسلطنة عُمان من امتصاص الصدمة عبر بدائل تصدير، وتمتلك الإمارات قدر من المرونة بفضل بنيتها اللوجستية وخطوطها البديلة، كانت دول مثل العراق والكويت وقطر أكثر عرضة للخسائر المباشرة، الأمر الذي يضع الأمن الاقتصادي في قلب الاستراتيجية الإقليمية.
مع إعادة فتح المضيق، يبدو المشهد وكأنه يلتقط أنفاسه، لكن التوتر الكامن لم يختف. فالهدنة لم تلغ تأثير هرمز الاستراتيجي، بل اكدت أنه بات ورقة تفاوض مركزية، تستخدم لتعطيل الإمدادات او لفرض الشروط السياسية عند الحاجة. ما تغير فعلياً ليس طبيعة الصراع، بل إيقاعه بين التصعيد والتهدئة.
في هذا السياق، يبرز اليمن كامتداد حي لهذه المعادلة. فرغم البعد الجغرافي عن المضيق، فإنخراط جماعة الحوثي الى جانب إيران وإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل جعل البلاد عرضة للقصف الأمريكي والإسرائيلي، كجبهة موازية تصطف مع إيران او ساحة ضغط اضافية في مسار الصراع الإقليمي. صحيح أن الهدنة قد تؤجل هذا السيناريو، لكنها لا تلغيه. لذلك، آن الأوان للجماعة أن تستوعب ما حدث، وأن تدرك أن لا حل لبقائها الا من خلال السلام والشراكة، وتسليم السلاح، واستعادة الأمن والاستقرار لليمن.
وفيما يتعلق بدول الخليج، فإن تحقيق الهدنة يفتح امامها نافذة استراتيجية لإعادة التفكير في الأمن الاقتصادي والجيوسياسي. فاستعادة حركة الملاحة والنفط والتجارة سوف ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق وتقليل كلفة التأمين والشحن. ومن المهم أن تسعى الدول الى تنويع مسارات التصدير، وتعزيز التكامل الخليجي في إدارة الأزمات، وبناء آليات مشتركة للاستجابة السريعة على المستوى الأمني واللوجستي.
في الواقع، إن ما حدث من توتر و قلق وتبعات نتيجة إغلاق المضيق يؤكد على اهمية الدبلوماسية الوقائية، والعمل من خلالها على احتواء التوترات قبل انفجارها، بالاضافة الى اهمية تطوير القدرات البحرية لضمان حرية الملاحة. وفي العمق، ينبغي أن تتشكل اليوم رؤية خليجية جديدة؛ فالصراع لم يعد يدار بالقوة العسكرية فقط، بل بالتحكم في نقاط الاقتصاد الحيوية، ما يدفع نحو سياسات اكثر توازناً تجمع بين الردع والانفتاح، وتعيد صياغة العلاقة بين الأمن والاستقرار الإقليمي.
ورغم أن فتح مضيق هرمز اعاد شيئاً من الطمأنينة، الا أنه كشف عن ضرورة تحويله الى ممر آمن وعدم استخدامه في الصراعات السياسية. ومع ذلك، فإن خيار الهدنة لن يمنع الصراع، بل ستبقى المنطقة معلقة على خيط رفيع، يقاس نجاحها بمدى قدرة دول الخليج واليمن على استثمار الفرصة لصالح السلام والاستقرار.


