نداء الحكمة

كتب/ شكري حسين
في زمنٍ تتكاثر فيه "الشروخ"، وتتسع فيه هوّة "الاختلاف"، ظلّ الاتحاد اليمني العام لكرة القدم ك (جذع) شجرةٍ عتيقة، تضرب جذورها في عمق الوطن، وتقاوم رياح التمزّق التي عصفت بكل شيءٍ تقريبًا، إلا بقايا "الأمل".

على مدى (١١) عامًا من الأزمات المتلاحقة، لم يكن المشهد الرياضي في اليمن بمعزلٍ عن تداعيات الواقع، لكنه على عكس كثير من القطاعات، احتفظ بشيءٍ من تماسكه، وكأن كرة القدم أصرّت أن تكون آخر قلاع اللقاء حين تتهاوى جسور السياسة.

ورغم اشتداد الأعاصير وتراكم العثرات، بقي اتحاد القدم، برئاسة الشيخ أحمد صالح العيسي، واقفًا بثباتٍ يُحسد عليه، لم تنل منه تقلبات الواقع ولا قسوة الظروف، وفيًّا لمسؤوليته، حريصًا على حضور اليمن في كل المحافل، دافعًا بالمنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها السنية إلى ميادين المنافسة العربية والآسيوية والدولية، فكانت تلك المشاركات رسائل بقاءٍ وصمود، تؤكد أن الكرة اليمنية ما زالت تنبض، وأن للبلاد حضورًا لا يُطفئه الغياب ولا تذروه الرياح.

ندرك أن السياسة والرياضة لا يلتقيان، لكن التجربة اليمنية أثبتت أن الرياضة، وبالأخص كرة القدم، قادرة على أن تقف على مسافةٍ واحدة من الجميع، لا تنحاز إلا لقيم التنافس الشريف، ولا تعترف إلا بلغة اللعب النظيف، لقد كانت وما زالت جسرًا إنسانيًا يعبر فوق متاريس الخلاف، ومتنفّسًا يعيد للناس شيئًا من الإحساس بالحياة المشتركة.

غير أن هذا التوازن الدقيق يظلّ هشًّا، ما لم تُحسن الأطراف المختلفة تقدير اللحظة، فقد تابعتُ ما صدر عن الجمعية العمومية لنادي وحدة عدن من قرارٍ بعدم المشاركة في بطولة كأس الجمهورية في حال إعادة القرعة، وهو موقف مع كامل الاحترام،  لا يبدو منسجمًا مع طموحات جماهيره العريضة، ولا مع روح المسؤولية التي تقتضي تغليب المصلحة العامة، إن مثل هذه القرارات، مهما كانت دوافعها، تفتح أبوابًا للفرقة أكثر مما تغلق نوافذ الخلاف.

نعلم إن الانسحاب لا يصنع "موقفًا"، بل يوسّع دائرة القطيعة، ويمنح "الخلاف" مساحةً أكبر من حجمه الطبيعي، فاللحظة الراهنة تتطلّب حضورًا لا "غيابًا"، ومبادرةً لا انكفاء، وحوارًا يضيق فيه هامش التصلّب لصالح أفق التفاهم.

لقد أبدى اتحاد اللعبة قدرًا من المرونة في التعامل مع الأندية العدنية، تجلّى ذلك في تأجيل دوري الدرجة الأولى وتقديم بطولة الكأس، في محاولةٍ لالتقاط خيطٍ رفيع يعيد وصل ما انقطع، وهي خطوة تُحسب له في سياق البحث عن حلولٍ واقعية، لا تزيد المشهد تعقيدًا، وبالتالي فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على من ينتصر إداريًا، بل على من ينتصر لرياضة الوطن وكرة القدم، فالعقل حين يغيب، تتكاثر "الخسارات"، وحين يحضر، تضيق مساحات النزاع حتى تتلاشى.

وعليه، فإن الاستجابة لنداء الحكمة ليست خيارًا تجميليًا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، فالوقت لا يحتمل مزيدًا من تشتيت الجهود أو نثر الملح على جراحٍ لم تلتئم بعد، فالمصلحة العليا للأندية، والرياضة اليمنية عمومًا، تظلّ في العمل تحت مظلة الاتحاد العام، وضمن الأطر المؤسسية المتعارف عليها. وما عدا ذلك، ليس سوى قبضٍ للريح، وسعيٍ في سراب، وحصادٍ للهشيم.

ختامًا، ستبقى كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، إنها ذاكرة مشتركة، ولغة جامعة، ومرآة لما يمكن أن يكون عليه (الوطن) إذا ما انتصر أبناؤه لقيم اللقاء على حساب نوازع الفرقة.