الجالية اليمنية في أوروبا والأمل الوطني

بقلم: جميل الطاهري

زيارتي إلى أوروبـا لم تكن مجرد رحلـة عابـرة، بل تجربـة إنسانيـة غنيـة.. حملت في طياتها الكثير من المعاني والدلالات، خاصة حين أُتيحـت لي فرصـة الالتقاء بأبناء الجاليـة اليمنية هنـاك.. فقد كانت تلك اللقاءات كفيلـة بأن تعيد رسـم صورة الوطـن في الذاكـرة، وأن تؤكـد أن اليمن لا يُختزل في جغرافيـا، بـل يعيش في قلـوب أبنائـه أينما وجـدوا.

فمنذ اللحظـات الأولى، لمسـتُ حفـاوة الاستقبال وصدق المشاعر من قبل عدد كبير من أبناء الجاليـة، وهم بالفعل يعكسون صورة مشرّفـة لوطنهم، حيث يجمعون بين الحفاظ على هويتهـم الثقافيـة والانفتاح الإيجابي على المجتمعـات التي يعيشون فيها.. ولم يكن حديثهم عن الوطن مجرد حنين عاطفي.. بـل كان حديثـاً واعيـاً ومسؤولاً، مليئاً بالأفكار والرؤى والطموحات حول مستقبل أفضل للبلاد.

ما لفت انتباهي هو حضور القيـادات الشابة، التي تحمـل على عاتقها همّ التغيير وتسعى لصناعـة فارق حقيقي.. هؤلاء الشباب لا يكتفون بالنجـاح الشخصي في بلـدان الاغتـراب.. بـل يعملون على توظيف خبراتهم وعلاقاتهم لخدمـة اليمـن، سواء من خلال المبادرات المجتمعية أو المشاركة في المؤتمـرات والحـوارات التي تبحث في سبـل النهوض بالوطن.

وقد كان من أبرز محطات هذه الزيارة حضوري المؤتمر الدولي للسلام والتنمية في اليمن، الذي عُقد في مدينـة سالزبورج – النمسا، وذلك خلال الفترة 10–11 أبريل 2026، حيث شكّل منصة مهمة جمعت كفاءات يمنية ودولية، وناقشت بعمق سبل دعم مسار السلام والتنمية في اليمن، مع التأكيد على أهمية توحيد الجهود لدفع مسار الحل الشامل وتعزيز فرص الاستقرار.

لقد أظهرت اللقاءات حجـم التحديـات التي تواجه الجاليـة، لكنها في الوقـت ذاته كشفـت عن مستوى عالٍ من التنظيم والإصرار على التأثير الإيجابي.. فالجالية اليمنية في أوروبا ليست مجـرد تجمـع بشري، بل كيان فاعـل يسعى لتعزيز مصالـح اليمـن، والدفـاع عن قضاياه، والمساهمة في إعادة بنائه على أسس حديثة ومستدامة.

كما كان للمؤتمرات والحـوارات التي حضرتها دور مهم في جمع الطاقـات وتبادل الخبرات، وتلك النقاشـات لـم تكن شكليـة، بـل اتسمت بالعمـق والجديـة، وخرجت بأفكار يمكـن البناء عليها مستقبـلاً.. لـقد شعرت حينها أن ما يُزرع اليـوم من رؤى وتعـاون، قد يتحـول غداً إلى مشاريـع حقيقية تـلامس حياة الناس في الداخل.

في ختـام هذه الزيـارة.. غـادرت وأنا أحمـل قدراً كبيراً من التفـاؤل.. فاليمـن، رغم كـل التحديـات، مـا زال بخيـر طالما أن لديـه أبناءً بهذا الوعي والإخلاص.. لقد أكـدت لي هذه الرحلـة أن الأمـل لا يـزال حاضـراً، وأن المستقبل يمكـن أن يكـون أفضـل إذا ما تضافـرت الجهود واستثمـرت الطاقـات كما ينبغي.

كانـت أوروبـا محطــة.. لكن اليمــن كـان وسيبقى الوجهـة الأهــم في قلوبنـا جميعـاً.