محمد وعفاش.. اثنان من ديسمبر تاريخ ورجال
لم يكونا اسمين عابرين في ذاكرة ثورة الثاني من ديسمبر، بل تحوّلا إلى شاهدين حيّين على حقيقةٍ لا تقبل الجدل: أن الإرادة حين تُختبر في أقسى الظروف، لا تنكسر، بل تُعاد صياغتها أكثر صلابة.
بعد ثلاثة أعوام من انتزاع حريتهما من قبضة الكهنوت الحوثي، خرج العميد محمد بن محمد والنقيب عفاش لا كناجين، بل كرجال أعادتهم التجربة أكثر تماسكًا، وأشد وضوحًا في الرؤية، وأعمق ارتباطًا بجوهر المعركة الجمهورية التي يخوضها اليمنيون دفاعًا عن الكرامة والسيادة والهوية.
في تلك الزنازين، حيث يُراد للإنسان أن يتلاشى، لم يكن الصمت استسلامًا، بل طورًا خفيًا لإعادة التشكّل. في عمق العتمة، وكانت تُبنى قناعة راسخة بأن المعركة لم تُحسم، وأن الخروج من السجن ليس نهاية المعاناة، بل بداية الدور الحقيقي.
لم تكن تلك المرحلة العمرية مجرد عبور قاسٍ، بل مختبرًا صهر وعيهما وأعاد تعريف الثبات بمعناه الأشد نقاءً. خرجا منها برؤيةٍ أكثر حدّة، وإدراكٍ لا لبس فيه: أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن الكرامة تُفرض بالفعل لا بالانتظار، مهما بلغت التضحيات.
وعندما استعادا موقعهما في الحياة، لم يلتفتا إلى خلفهما، ولم ينشغلا بحساب الخسائر، بل توجها مباشرةً إلى ميادين الفعل، وإلى جانب الأحرار في صفوف قوات المقاومة الوطنية, حيث تُختبر المواقف وتُكتب التحولات الكبرى.
لم يعودا ليسردا الألم، بل ليحوّلاه إلى طاقة دافعة. خرجا أيقونة نضالٍ تُلهب العزائم، وتُنعش الروح المعنوية في صفوف المقاتلين، وتعيد ضبط بوصلة الصمود في لحظات الوهن. تحوّلت معاناتهما إلى قوة تعبئة، وجراحهما إلى رمزيةٍ حية تؤكد أن التعثر ليس نهاية الطريق، وأن النهوض ممكن مهما تعاظمت التحديات. حضورهما في الميدان لم يكن عابرًا، بل تعبيرًا حيًا نافذًا عن أن من وُلد من رحم المعاناة، أقدر على إشعال الإرادة، وأجدر بقيادة الثبات نحو الحسم.
اليوم، لا يمثل محمد وعفاش قصة فردية، بل سردية وطنية تختصر مسار جيلٍ كامل رفض الهزيمة، فبرغم كل ما تعرّضا له من قمع ومحاولات إخضاع. فقد جسّدا الروح الجمهورية الصلبة للإنسان اليمني، تلك الروح التي تعجز كل أدوات القهر عن كسرها. هما برهانٌ حيّ على أن السجن قد يقيّد الجسد، لكنه لا يطول الروح، وأن الإرادة المتجذرة في قضية عادلة تظل عصيّة على الانكسار، وماضية بثبات نحو الحرية.
ثلاثة أعوام مضت، لكنها لم تكن زمنًا عاديًا، بل اختبارًا مفتوحًا لمعنى الصمود. وهما اليوم يقفان في قلب المعركة، لا كأسماء تُستعاد، بل كرايات تُرى، تذكّر الجميع بأن الجمهورية لا يحميها الشعار، بل الرجال.
هذه ليست حكاية نجاة، بل عودة واعية إلى الميدان.
وليست رواية ألم، بل ملامح انتصارٍ يتشكّل.
فمن تحرّر من القيد، لا يمكن أن يقبل به من جديد. ومن عرف طعم الظلم، لا يساوم على الحرية. ومن آمن بالجمهورية، يمضي في سبيلها حتى النهاية.


