سقوط العلم العلم بسقوط الضمير

في زمن تتزاحم فيه الشهادات، وتعلو فيه الأرقام،ط؛ يوشك أن يُنسى المعنى الأصيل للعلم؛ ذلك المعنى الذي لم يكن يوما حبرا على ورق، ولا درجاتٍ تُحصى في كشوف؛ بل كان عبادة تُرفع بها القلوب قبل العقول، وأمانة تُثقل بها الأعناق قبل أن تُزيَّن بها الجدران.

العلم في جوهره نور، غير أنه نور لا يستقر في قلب أظلمته الخيانة، ولا يثبت في نفس اعتادت التزييف. وهو رفعة؛ لكنه لا يرفع من باع ضميره في لحظة ضعف داخل قاعة امتحان. وهو أمانة؛ لكنها أمانة تأبى أن تسكن نفسا ألفت الغش حتى صار عندها سلوكا عاديا لا يُستنكر.

ولعل من أخطر ما أصاب مجتمعاتنا اليوم، أن العلم تحول من رسالة سامية إلى وسيلة للمراوغة، ومن طريق للصدق إلى باب للخداع؛ حتى بات الغش في الامتحانات ظاهرة مألوفة، لا تثير دهشة، ولا توقظ ضميرا، وكأنها لم تعد خيانة، ولا جريمة أخلاقية تُقوِّض أساس القيم.

غير أن الحقيقة أعمق من ورقة امتحان تُزوَّر؛ إنها أزمة ضمير، واختلال موازين، وتهديد لمستقبل أمة بأكملها.

الغش في حقيقته ليس مجرد "مساعدة" عابرة كما يبرر البعض؛ بل هو قلب للحقائق، وتزييف للواقع، وسرقة لثمرة لم تُزرع. هو نجاح بلا جذور، وشهادة بلا مضمون، وصعود زائف سرعان ما ينكشف. وما بين نجاح صادق بُني على تعب وصدق، ونجاح مزوّر كُتب بالغش، فرق كالفرق بين نور يطمئن القلب، وظلمة تقلق صاحبها ولو بعد حين.

وللغش وجوه متعددة؛ لكنها جميعا تلتقي عند معنى واحد: الخيانة. قد يكون فرديا حين تُنقل الإجابات خفية، أو جماعيا حين تتحول قاعات الامتحان إلى أسواق تبادل، أو مؤسسيا حين تُسرب الأسئلة وتُضرب العدالة في مقتل؛ بل قد يبلغ الخطر ذروته حين يتواطأ من أُوكل إليهم الحفظ، فيصمتون عن الغش أو يسهّلونه، فيتحول الحارس إلى شاهد زور.

هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ؛ بل غذّتها أسباب متعددة، في مقدمتها ضعف الوازع الأخلاقي؛ حين يغيب الشعور برقابة الله، فيخاف الطالب من عين المراقب، ولا يخاف من عين لا تغيب. ويزيدها اشتعالا ضغطٌ أسري يقيس الأبناء بالأرقام لا بالقيم، وثقافة مجتمعية تُعيد تعريف النجاح على أنه نتيجة بأي ثمن، لا رحلة صدق واجتهاد.

ومن الأسباب أيضا الخوف من الفشل، وضعف الثقة بالنفس، حتى يصبح الغش ملاذا للهروب بدل أن يكون الجهد طريقا للمواجهة. ويكتمل المشهد بخلل في بعض الأنظمة التعليمية، وضعف في الرقابة، فيغري ذلك النفوس الضعيفة بالانزلاق.

لكن أخطر ما في الغش ليس وقوعه، بل آثاره العميقة. فهو يفسد الضمير، ويُرسّخ الكذب حتى يصير طبعا، ويقتل الثقة بالنفس لأن صاحبه يعلم في قرارة نفسه أنه لم يستحق ما نال. وهو يهدم قيمة الاجتهاد، ويجعل المجتهد والكسول في ميزان واحد، فيضيع العدل، وتضيع معه الحوافز.

وعلى مستوى المجتمع؛ تتآكل الثقة؛ فلا يُوثق بشهادة، ولا يُطمأن إلى كفاءة. أما على مستوى الأمة؛ فالكارثة أعظم: كوادر بلا تأهيل، ومناصب بغير استحقاق، ومؤسسات تتآكل من الداخل. طبيب لم يتعلم، مهندس لم يُتقن، معلم لم يفهم... سلسلة من الخلل تبدأ بورقة، وقد تنتهي بانهيار.

إن مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية فرد بعينه؛ بل مسؤولية جماعية. الطالب مسؤول عن صدقه، والأسرة عن تربيتها، والمعلم عن غرس القيم قبل المعلومات، والمراقب عن حماية النزاهة، والمؤسسات عن إقامة العدل. والمجتمع كله مدعو إلى إعادة تعريف النجاح، ليعود قيمة أخلاقية قبل أن يكون رقمًا.

ولا يكفي في ذلك الوعظ وحده؛ بل لا بد من بناء رقابة داخلية حية، تُذكّر الإنسان بأنه مراقَب ولو غاب الرقيب، ومن نشر وعيٍ يُدرك أن الغش ليس مخالفة عابرة؛ بل خيانة متعددة الأوجه. كما أن تطوير أساليب التعليم والتقويم، ومكافأة النزاهة ومعاقبة الغش، خطوات ضرورية لاستعادة التوازن.

لقد كان الصدق عند السلف معيارا لا يُساوَم عليه، حتى إن أحدهم كان يفضّل أن يقول "لا أدري" على أن يقول ما لا يعلم. أما اليوم، فنحن أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح؛ روح الأمانة التي ترفع صاحبها، وإن قلّ علمه، وتُسقط من خانها، وإن كثرت شهاداته.

في النهاية، الغش ليس قضية امتحان، بل قضية ضمير. هو اختبار حقيقي للإنسان قبل أن يكون اختبارا للمعلومة. فإما أن ينتصر الضمير، فيبقى العلم نورا، أو يُهزم، فيتحول العلم إلى قشرة بلا روح.

وحين يسقط الضمي؛ يسقط كل شيء.

نسأل الله أن يطهر قلوبنا من الخيانة، وأن يملأها بالصدق والإخلاص!

ودمتم سالمين!