وعادت ريمة لعادتها القديمة…{حين تُدار الأزمات بعقلية الترقيع} !!!!

ليس هناك ما هو  أخطر على الشعوب من الفقر، ولا أشد وطأة من الجوع.
ولكن الأخطر من ذلك كلّه أن يُضاف إلى معاناتها استهانةٌ بوعيها، واستخفافٌ بعقولها، وكأنها كائنات لا تُدرك ما يُدبَّر لها، ولا تفهم ما يُحاك حولها.

في بلادٍ أنهكها الانتظار، وتآكلت فيها الأعصاب قبل العملات، لم يعد المواطن يطلب المعجزات...
 بل بات يكتفي بفتات الأمل:
( راتبٍ يُصرف، خدمةٍ تُحترم، قرارٍ يُنقذ ما تبقّى من حياة) .... لكن يبدو أن هذا الحد الأدنى أصبح - في عرف حكومتنا الرشيدة- ترفًا لا يُتاح.

وحدها القرارات التي تُثقل كاهل المواطن هي التي تصدر في وقتها، بدقةٍ مدهشة، وكأن هناك غرفة عمليات متخصصة في اختيار اللحظة الأكثر إيلامًا لتمريرها. 

أما ما يتعلق بتحسين الوضع المعيشي، أو كبح جماح الفساد، أو فرض هيبة الدولة، فيُحال – بكل أناقة – إلى أرشيف “الظروف المعقدة”.

رفع أسعار المشتقات النفطية، في هذا التوقيت - تحديدًا - ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو بيان سياسي صريح يقول للمواطن: “نحن هنا… ولكن ليس من أجلك”. هو إعلان غير مكتوب بأن الحكومة قد أتقنت فنّ إدارة الأزمات، لا بحلّها، بل بإعادة تدويرها، وتحميل نتائجها لمن لا يملك سوى الصبر.

والأدهى من ذلك أن هذه السياسات تُقدَّم أحيانًا بعباراتٍ مُنمّقة، وكأنها إنجازات تُضاف إلى سجل النجاحات الوهمية.
 فيُقال إن الرفع ضرورة، وإن المعاناة مؤقتة، وإن القادم أفضل… 
وهي عبارات استُهلكت حتى فقدت معناها، ولم يعد المواطن يسمع فيها سوى صدىً باهتٍ لوعودٍ لم تتحقق.

ولعل أوضح دليل على فشل الإدارة وعجزها، ليس في الأرقام المعلنة ولا في الخطابات الرسمية.... بل في الواقع الذي يعيشه الناس يوميًا حيث تتباين أسعار المشتقات النفطية بشكلٍ صارخ بين محافظةٍ وأخرى ضمن ما يُسمّى بالمناطق المحررة.

ففي بلدٍ يفترض أن تديره حكومة واحدة، يصبح سعر الوقود خاضعًا للجغرافيا لا للقانون، وللنفوذ لا للمؤسسات.

 هنا يُباع بسعر، وهناك بسعرٍ آخر، وبينهما فارقٌ يثقل كاهل المواطن، ويكشف – بوضوح لا يقبل التأويل – غياب الدولة، وتفكك القرار، وعجز الجهات المعنية عن فرض حدٍ أدنى من العدالة الاقتصادية.

فأيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل المواطن - وحده - يدفع ثمن فوضى الإدارة؟
وأيُّ شرعيةٍ تلك التي تعجز حتى عن توحيد سعر سلعةٍ أساسية تمسّ حياة الناس كل يوم؟
الحكومة التي تعجز عن ضبط سعر الوقود داخل نطاق سيطرتها، كيف لها أن تدّعي القدرة على إدارة دولة؟

والسلطة التي لا تستطيع كبح جشع السوق، ولا فرض تسعيرة عادلة، ثم تلجأ إلى رفع الأسعار، إنما تمارس أبسط أشكال الهروب إلى الأمام، وتُحمّل المواطن كلفة عجزها.

إن الاستخفاف بعقول الشعوب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو مقامرة خطرة. 
فالشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى، وقد تحتمل القهر، لكنها لا تُسلّم للأبد. 
وكل قرارٍ يُتخذ بمعزل عن معاناة الناس، إنما يُراكم فجوةً بين الحاكم والمحكوم، حتى تصبح هذه الفجوة هاويةً لا تُردم بسهولة.

وفي النهاية، لا يبقى السؤال: لماذا غضب الشعب؟
بل يصبح: كيف تأخر هذا الغضب كل هذا الوقت؟