دم يصرخ في وجدان الوطن

من أعظم ما عظّمه الله في شريعته النفس الإنسانية؛ تلك الروح التي لا يعادلها شيء، ولا يبرِّر الاعتداء عليها أي سببٍ بغير حق. في آية تهز القلوب، يقول تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. تتجمد الكلمات أمام وقعها؛ فكيف بمن يجرؤ على اقتراف حقيقتها؟!

وفي الحديث الشريف: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق». دنيا تزول بأكملها، أهون على الله من دمٍ واحد يُسفك ظلما!

لهذا عظّم الشرع العدالة، وجعلها عمود الحياة، وأبغض الظلم وجعل عاقبته خرابا وهلاكا. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الظلم يخرّب الديار»؛ فكيف إذا كان الظلم قتلا؟! وكيف إذا تحولت الدماء إلى ورقة في يد السياسة؟!

عبر التاريخ؛ ما نزل البلاء على أمة، ولا ارتفع عنها الأمن، ولا جفّت البركة من أرضها؛ إلا حين سُفكت فيها دماء الأبرياء. ولذا كان عمر رضي الله عنه يخاف أن تُؤاخذه السماء على عثرة بغلة في العراق؛ فكيف بمن يُسقِط رجالا أبرياء بالإعدام؟!

شهد اليمن قبل أيام فاجعة يضيق لها الصدر؛ مجموعة من أبنائه اقتيدوا إلى محكمة لا تُشبه القضاء، ولا تعرف العدل، ولا تنطق بميزان شرعي أو قانوني. اعتُقلوا، وضُغط عليهم، وانتُزعت الاعترافات تحت التهديد، ثم صُنعت لهم ملفات جاهزة، وانتهى المشهد إلى إعدامات لا تستند إلى بينة ولا حق.

محاكمات صورية، تهمٌ تُفصّل على مقاس السياسة، وقضاة لا يملكون من القضاء؛ إلا اسمه. كلمات جاهزة تُستخدم كسياط: خائن، عميل، جاسوس... وهكذا تتحول العدالة إلى فخّ، والقضاء إلى مسرحية.

لقد استغلّ الحوثيون ضباب الحرب وانشغال العالم، ليجعلوا من تهمة "التجسس" شماعة يعلّقون عليها كل صوت يخالفهم. ولو كان لديهم برهان لأظهروه؛ والله يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾! فما جرى لم يكن حكما قضائيا؛ بل قرار سياسي أُلبس عباءة الدين، والعباءةُ منه براء.

الشريعة جعلت للدماء أسوارا شاهقة لا تُتجاوز إلا ببينة قاطعة؛ فالقصاص لا يُقام؛ إلا إذا اكتملت أربعة أركان:

- قاضٍ عادل لا يخضع لتهديد أو نفوذ.

- إجراءات شرعية تتيح سماع الحجة والشهود.

- بينة قطعية تُثبت التهمة.

- اعتراف حرّ؛ لا شبهة إكراه فيه.

هذه الأركان الأربعة هُدمت تماما في القضية الأخيرة؛ لا قاضٍ مستقل، ولا إجراءات، ولا أدلة، ولا حقّ للدفاع. لقد تمّ الاعتداء على مقاصد الشريعة نفسها؛ حفظ النفس، حفظ الكرامة، حفظ العقل، حفظ العدالة. والإعدام السياسي ليس مجرد قتل؛ بل هدم للشريعة، وتأسيس لدولة قائمة على الخوف؛ لا على الإيمان.

هذه ليست قضية قضائية؛ بل حلقةٌ من سلسلة فكرية خطيرة؛ فكر يقوم على تقديس "الولاية" وتقديم القائد فوق النص وفوق الأمة. وكل مخالف يُصنَّف عدوا، وكل معارض يُوصف بالخيانة، وكل ناقد يُنسب إلى العمالة.

وهنا تنشأ بذور التكفير السياسي، حيث يتحول الخصم إلى "كافر يستحق الموت"، وهذه أسوأ درجات الانحراف!

ويُستدعى الدين لتبرير مشروع سياسي، فتُختطف النصوص، ويُزيَّف الشرع، ويُشرعن القتل... قال الحسن البصري: «همتهم في سفك الدماء...»، وكأنه يصفهم.

الإعدامات رسالة رعب، ورسالة منظّمة:

- رسالة إلى الداخل: اسكتوا؛ فالرأس التالي قد يكون منكم.

- رسالة إلى الخارج: نحكم بالقوة، ونقدر على البطش.

- رسالة إلى الخصوم: لا مجال للعمل المدني أو السياسي خارج سلطتنا.

لكن الحقيقة أن الحاكم الذي يلجأ إلى القتل ليُثبت قوته؛ يكشف ضعفه؛ فالقوة التي تخاف من الكلمة ليست قوة! قال ابن تيمية: «ما من طاغية إلا جعل الخوف سلاحه»؛ الخوف لا يصنع دولة؛ بل يصنع مقبرة.

هذه الجريمة لا تتوقف آثارها عند حدود الضحايا؛ بل تضرب المجتمع كله:

- تفكك المجتمع واتساع الخوف. ويسود الصمت، ينكمش الخير، وتظهر ثقافة الشكّ والريبة.

- شلل العمل الإنساني؛ فالمنظمات تُحاصر، والناشطون يخشون الاعتقال.

- تهجير العقول والكفاءات؛ فيغدو الوطن بلا أطباء ولا مهندسين ولا خبراء؛ بل فقط جنود للخوف.

- والاحتقان الشعبي يمهد للانفجار؛ فالدم لا ينساه الناس، ولا تصلحه الأيام.

- توريث الأحقاد وفتح أبواب الفتن؛ فالجراح تنتقل بين الأجيال، وتصبح شرارة لأي اضطراب قادم. قال عمر بن عبد العزيز: «إن الله لا يمحو الشر بالشر؛ ولكن يمحوه بالعدل».

شهدنا مواقف شجاعة لأحزاب يمنية وشخصيات وطنية أدانت هذه الجريمة. وهذا الواجب ليس سياسة؛ بل شريعة؛ فالنبي ﷺ قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً». ونصرة الظالم أن يُمنع من ظلمه. ووحدة الصوت اليوم ليست رفاهية؛ بل ضرورة لحماية ما تبقى من هذا الوطن.

والظالم يقتل؛ والمجتمع ينهار حين يسكت العلماء؛ فواجبهم اليوم فضح التزييف، بيان حرمة الدماء، وإحياء روح الشريعة التي جاءت لحفظ الإنسان؛ لا لإراقة دمه. والسكوت ليس حياداً؛ بل مشاركة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.

وعلى الأمة أن تُعيد إحياء ضميرها الجمعي؛ ذلك الذي تآكل من كثرة المآسي. وأن تقف مع المظلوم، أن تعزي أسر الضحايا، أن ترفض التطبيع مع القتل السياسي. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وهذه ليست آية تُتلى؛ بل مسؤولية تُحمل.

 

ولنا في الأخير رسائل:

- إلى الحوثيين: الدماء لا تبني دولة، والظلم لا يصنع أمانا، والتاريخ لا يرحم. ولو دامت لغيركم؛ ما وصلت إليكم.

- إلى الأمة: إن الله يُقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة؛ فالعدل أساس الملك، والدم الحرام أساس الخراب.

- إلى أهالي الضحايا: يا صبر القلوب المثخنة! إن الله لا ينسى دما، ولا يُهمل حقا، ولا يغفل عن ظلم ظالم. القصاص العادل آتٍ بقدر الله؛ وإن طال الليل.

وما زال في الحديث ألمٌ لا ينتهي، وفي الضمير صرخة لا تُطفأ، وفي الحق كلمة لا تموت... وستبقى الدماء تصرخ حتى تُسمَع.

خفظ الله البلاد والعباد، وقمع الظلم الفساد، ودمتم سالمين!