الحسن بن علي.. ريحانة النبوة وزعامة حقنت الدماء
بقلم: حسين سالم السليماني
لم تكن سيرة الإمام الحسن بن علي - عليهما السلام - مجرد فصل عابر في دواوين الحكم، بل كانت منهاجاً أخلاقياً صيغ بمداد الوحي، ونقشته كفّ النبوة، وترعرع في كنف مدرسة الشجاعة التي شاد أركانها أبوه الكرار. فكيف لا يكون هكذا وهو سيد شباب أهل الجنة؟ ذاك الذي أشرقت فيه نبوءة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
لم تكن الخلافة في عين الحسن غنيمة تُقتنص، ولا جاهاً يُحتكر، بل رآها أمانة ميزانها قطرات دماء الأمة، وقيمتها وحدة صفهم. وحين آلت إليه المقاليد بعد استشهاد والده، لم يكن يفتقر لشرعية أو ولاء شعبي، بل كان يملك ناصية الحق وهيبة الانتماء، غير أنه كان يمتلك - فوق ذلك - "بصيرة" ثاقبة نفذت إلى ما وراء بريق العروش وزخرف السلطان، ليرى في صيانة الأرواح نصراً أعظم من صولة الجيوش.
إن أشقّ ما يواجهه القائد العظيم هو قرار "الحقن" لا قرار "الطعن"؛ لذا اختار الحسن أن يغمد سيفه ليفتح للأمة أبواب الأمان التي أوصدتها الفتن. لم يكن صلحه مع معاوية بن أبي سفيان انكساراً في العزيمة أو ضعفاً في الشكيمة، بل كان نصراً مؤزراً للمبدأ على المنصب، وإعلاء لكلمة الجماعة على شهوة التفرد؛ فالعظمة ليست في الفوز بالكرسي، بل في الجلوس على عرش القلوب.
لقد سطر الحسن درساً تاريخياً خالداً في "إيثار بقاء الأمة" على "البقاء في السلطة"؛ فكان ملكاً في ترفعه، وعظيماً في زهده، إذ تنازل عن التاج صوناً للرؤوس، ونبذ بريق الإمارة لئلا ينطفئ سراج الحياة، في ترفع عزّ نظيره عمن تلوه ممن سفكوا الدماء واستباحوا الثمرات. وبذلك استحق أن يُتوج فعلاً بلقب "خامس الخلفاء الراشدين"؛ إذ كان أول حاكم يترجل عن صهوة الحكم وهو في ذروة قوته واكتمال أدواته، معلماً البشرية أن الزهد في الدنيا هو قمة السيادة.
ولعل أشدّ ما كابده الحسن لم يكن كيد الخصوم، بل كان عتب المحبين الذين قصرت مداركهم عن فقه حكمة قراره. واجه نداءاتهم اللاهثة بابتسامة الصابر ويقين العارف، متمثلاً بصورة الآخرة حين قال: "إني خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً، تنضح أوداجهم دماً، يسألون الله: فيمَ هُريقت دماؤهم؟". هنا تتجلى بلاغة الإنسانية في أبهى صورها؛ فالحُكم لديه وسيلة لصون الكرامة، فإذا ما استحال سبباً لسفك الدماء وقطع الأرواح، سقطت شرعيته في ميزان عدله.
ترجل الحسن عن عرش السلطة، فلحقت به العظمة حيثما حلّ وارتحل. بقي في مدينة جده منارة للعلم، وملاذاً للمحتاجين، وهادياً للحائرين. لقد أثبت للعالم أجمع أن القوة الحقيقية ليست في كسر إرادة الآخر، بل في ترويض هوى النفس وكبح جماح الطموح الشخصي من أجل خير الجماعة.
لقد كان الحسن بن علي - بحلمه وصلحه - هو الجسر الذي عبرت فوقه الأمة من ضيق النزاع إلى سعة الاستقرار، ليبقى ذكره طيباً يتضوع بالسلام، ونوراً يضيء عتمة التاريخ، محفوراً في سجل الخالدين بمداد من نور لا ينطفئ.


