سورية .. عداوة صديقين وصراع حليفين .. 

لكل حقبة قادة كبار وزعامات عابرة .

 وقد بدا مطلع الألفية الثالثة بدا شاغرا من تلك النوعية من الزعامات العابرة ثم ما لبث ذلك الشغور أن سُد بالزعيمين بوتين وأردوغان كزعيمين عالميين عابرين يشغلان بحضورهما الخارطة العالمية ويثيران اهتمام صناع القرار وقادة الرأي في أوروبا وآسيا وأمريكا وغير ذلك .
يشترك الزعيمان في قوة الشخصية والتفكير الامبراطوري وينطلقان من البعد التاريخي والقومي لكليهما وتجمعهما طموحات التوسع التي كان لا بد معها من تعارض مصالح وصدامات فكانت سورية هي النقطة الأولى لتلك الصدامات التي نتج عنها سيطرة بوتين على سوريا بإيعاز وتواطؤ من (واشنطن - طهران - تل ابيب - بروكسل) وحال دون رغبة أردوغان الجامحة بالتدخل الشامل بسورية .

ومباشرة بعد ذلك الإيعاز استخدم بوتين قوته العسكرية الضاربة للفتك بالمدن والأرياف السورية الثائرة ضد طائفية الأسد وملالي إيران فأحال تلك المدن وأريافها إلى رماد مخلفا أكبر أزمة لجوء في العصر الحديث ليتحمل أردوغان تبعات ذلك اللجوء ولعدد غير قليل من ملايين السوريين .
وقد نتج عن ذلك سيطرة بوتين على الجغرافيا التي خلفتها تلك الملايين السورية وراء ظهرها والتي كان أردوغان قد اعتبرها خارطة وحاضنة لمشروع تدخله هناك .

أردوغان من جانبه إختار وبعناية مكان وكيفية الرد على صديقه بوتين وحلفائه بسورية فكانت (ناقورني قرة باغ) هي المكان المؤلم لبوتين وحلفائه مجتمعين وبوتين أكثرهم ألما .
فكانت الصدمة والهول اللذان لم يستطع معهما بوتين وحلفائه فعل أي شيئ للأرمن ! وما استطاع
فعله هو القيام بدور الوسيط وضمان
انسحاب حلفائه وحلفاء حلفائه انسحابا غير
 مشروط بعد ثلاثين عاما من احتلال تلك الأرض الأذرية الاستراتيجية التي تعدل مساحتها خمسة أضعاف مساحة دولة كالبحرين وخمسة عشر ضعفا بالنسبة لدولة كجزر القمر الاتحادية .
لم يكتف
أردوغان بذلك بل استفاد من المشردين
 السوريين الذين هجرهم
بوتين من سورية فبعد أن آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع بعث طلائع منهم
 مصحوبين بـ (البيروقدار) إلى سواحل ليبيا الشمالية لحرمان صديقه بوتين من العاصمة الليبية طرابلس وحقول النفط وموانئ التصدير هناك  حيث ألحقت تلك المجموعات السورية هزيمة ساحقة بالنخبة العسكرية التابعة لبوتين ذات التدريب والتسليح النوعيين والمعدة للتدخل والسيطرة تحت أي سماء وفوق أي تراب فحُرم بذلك بوتين من الكعكة الليبية وضلت الفاغنر طريقها وهدفها الأفرومتوسطي .
 أماعندما قرر بوتين غزو أوكرانيا والتوجه لاجتياح كييف العاصمة فقد فوجئ بصديقه أردوغان أنه له بالمرصاد وأنه قد سبقه إلى هناك بـ البيروقدار
 التي أرغمت بوتين على التقهقر والعودة خائبا دون الظفر بالعاصمة كييف .

وقد أعرب أردوغان لبوتين عبر لافروف عن عدم وجود نوايا عدوانية لديه وإنما أراد بذلك تجريب فاعلية طائراته المسيرة أمام جيش معتبر كجيش صديقه بوتين .
يميز الصديقان بوتين وأردوغان وفاقهما رغم الخلاف وتميزهما بمرونة القوة وفاعلية الديبلوماسية .
بل إنهما يتناطحان كثورين هائجين في ميادين المصارعات ثم ينفُضَان غبار المعارك عنهما لينفَضٌَا للتعاون والمقايضات والصفقات .
أخذ أردوغان من بوتين منظومات صواريخ الـ أس أس والمفاعلات النووية والنفط والغاز وهيبة الحليف وخسر حينذاك سورية .
وأخذ بوتين من أردوغان الموقف المخالف لموقف النيتو الذي يحتل أردوغان فيه المرتبة الثانية عسكريا وبشريا والأولى جغرافيا وديموقراطيا وطموحات .
صنع الزعيمان أكبر حدثين في الألفية الثالثة المتمثلان بغزو بوتين لأوكرانيا ذلك الحدث الذي يعتبر فخا نصبه له أعداؤه ويعتبر مستقبله مجهول بعده .
 وكذلك انتخاب الأتراك لأردوغان والذي يعتبر فرصة له كرهها أعداؤه ومستقبله بعدها معلوم مأمول .

بوتين قَدِم القصر بواسطة الـ (كي جي بي) وسيغادره عن طريق الـ (سي آي إيه) !
 بينما أردوغان قدم القصر عن طريق الصندوق وسيغادره بواسطة الدستور . 
البون الشاسع بينهما يتمثل في الأزرار التي يمسك بها كل منهما في يده .
فأردوغان يمسك بأزرار
قرن قادم من العطاء
والرخاء والازدهار .
بينما يمسك بوتين بأزرار الجحيم والفناء ويهدد العالم بقرب اللحظة السوداء القاتمة والحاسمة .
فأحدهما يبشر بالحياة والإحياء والإنماء بينما الآخر يهدد بالموت والهلاك والإفناء !
وها هما الصديقان العدوان من جديد في صدارة المشهد عبر أهم حدث عالمي تشهده أهم جغرافيات العالم (سورية) .

ما يميز هذه الجولة ويرفع من أسهمها هو الضربة القاضية (بدلا عن تجميع النقاط) التي إختار أردوغان أن يختم بها ماراثونهما المثير بـ سورية والتي يبدو من خلالها أن أردوغان أسدل بذلك الستار وختم سباق المضمار هناك ! ولم يُبْقِ للمعنيين بتلك البلاد الشامية حتى شرف رفع المخلفات أوحتى سلاسة الانفضاض عن المدرجات !
إنها في الحقيقة دروس تُلقى فوق أرض عربية وعلى مسامع عربية وأمام أعين عربية لكنها مع الأسف بلغة (غير عربية) !

ليبقى السؤال :
أكوووو عرب ؟ !