اجراءات السلامة عبادة تحفظ الحياة

بقلم: حسن الكنزلي


ليست السلامة إجراء إداريا، ولا نصائح تُعلَّق على الجدران، ولا شعارات تتردد حتى يبهت صوتها؛ إنما هي عبادة عظيمة، ومسؤولية ثقيلة، ومنهج حضارة تُقيم وزن الحياة، وتكرّم النفس التي جعلها الله آية من آياته.

حديثُنا ليس عن تفاصيل صغيرة، ولا عن سنن خفيفة؛ بل عن أصل من أعظم أصول الشريعة؛ حفظ النفس. هذا المخلوق الذي عظّمه الله، وحرّم الاعتداء عليه، وجعله من مقاصد الدين الكبرى الخمسة. يقول ربنا جلّ وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. رحمة من الله، وتنبيه من السماء، أن النفس ليست ملكَك؛ بل أمانة ستُسأل عنها.

وليس صحيحا أن الحوادث قدر لا يُدفع؛ فالقدر -كما قال علي بن أبي طالب- «قدر يقودك، وقدر تقوده». والأسباب عبادة، والإهمال ذنب، والتفريط في الأرواح خطيئة تكتبها الملائكة؛ وإن لم يقصدها صاحبها.

كم من بيوت احترقت؛ لأن صاحبها بخل بطفاية! وكم من أرواح صعدت إلى السماء بسبب تماس كهربائي كان يمكن منعه بقاطع حماية! وكم من عين فُقدت، ولو وُضعت نظارة على الوجه لدقيقة!
إن الحوادث -في كثيرٍ منها- ليست “قدَرا”؛ بل نتيجة غفلة صغيرة.

السلامة ليست أوراقا تُكتب؛ بل روح دين يقوم على رفع الضرر. ورسول الله ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار».

وإذا كان تغيير المنكر واجبا، فأعظمه إزالة مواطن الخطر قبل أن تتحوّل إلى كارثة. وإذا كان كل واحد منا راعيا ومسؤولا -كما قال ﷺ- فإن المسؤولية تمتد من العامل في ورشته، إلى السائق في حافلته، إلى الأب في بيته، إلى المدير في مؤسسته... كلٌّ يسهم في حماية الأرواح أو التفريط فيها.

إن السلامة ليست رفاهية؛ بل قيمة حضارية؛ تنهض بها الأمم وتنهار عندما تستهين بها. وقد قال عمر بن الخطاب: «العاقل من عرف خير الشرّين»، وخير الشرّين اليوم أن نتحمل مشقة الاحتياط؛ ولا نحمل فاجعة الحوادث.

ليست هذه مبالغات؛ بل صورٌ من واقعنا؛ بيوت انهارت على أهلها؛ لأن الغاز تُرك مفتوحا، عمال سحبتهم الماكينات؛ لأن ثيابهم الفضفاضة لم تُربط، أطفال يُصابون داخل البيوت أكثر من الشوارع، مرضى يُعدَون؛ لأن عاملا نسي أن يغسل يديه، ركّاب يموتون ولم يعرفوا أن بجانب كل نافذة "مطرقة نجاة". وفي كل ذلك، يصدح حديث النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول».

إن الكارثة الحقيقية ليست وجود الخطر؛ بل الاعتياد عليه حتى يصبح جزءا من حياتنا؛نعتاد السلك المكشوف، ونعتاد رائحة الغاز، ونعتاد قيادة بلا حزام، ونعتاد معملا بلا تدريب... حتى يأتي اليوم الذي لا تُعاد فيه اللحظات. وصدق من قال:
وفي الحذر استبقاءُ نفسٍ وحكمةٌ
وفي تركِهَا إذلالُ نفسٍ ومصرعُ

إن ما توصّلت إليه منظمات السلامة العالمية (WHO-NEBOSH-OSHA-NFPA) هو ذاته ما قاله الشرع منذ قرون:
- إزالة الخطر: إصلاح السلك، إغلاق الغاز، إبعاد المواد الخطرة... هذا هو تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
-الضوابط الهندسية: كاشف دخان، حاجز أطفال، زرّ إيقاف طارئ... تفاصيل صغيرة؛ لكنها تنقذ أرواحا كبيرة.
- التدبير الإداري:التعليمات، التفتيش، توزيع الأدوار... كلها «فقه تدبير» يسأل الله عنه.
- معدات الحماية الشخصية: الخوذة، النظارة، القفاز... ليست كماليات؛ بل واجبات.
- التدريب والمحاكاة: تمرين إخلاء واحد؛ قد يُنقذ مئات. ومعرفة استخدام الطفاية؛ قد تمنع كارثة.
- المراجعة الدورية:فحص دائم يمنع خطرا دائما.

ونحو نصف الإصابات تقع داخل البيوت؛ في المطبخ، في الحمام، في الكهرباء، في الأدوات الحادة.
طفاية صغيرة، كاشف دخان، حقيبة إسعاف... هذه ليست ترفًا؛ بل برّا بالأسرة.قال الحسن البصري: "لا يزال العبد بخير ما اتقى". والحذر في البيوت تقوى.

السرعة ليست شجاعة، والتهور ليس قدرا. حزام الأمان عبادة، والصيانة مسؤولية، والالتزام احترام للحياة. في كل دقيقة يموت العشرات حول العالم على الطرقات؛ لأن أحدهم ظن أن الخطر «لن يصيبه هو». وما أكثر ما قاله العرب:زولو نجا أحدٌ من خيفةٍ لنَجا الحَذِرُ.

وغسل اليدين، تعقيم الأدوات، الالتزام ببروتوكولات (WHO)... لها أوامر شرعية قبل أن تكون تعليمات صحية. قال ﷺ: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد». والعدوى -في غالبها- ليست قضاء، بل إهمالا.

قبل اللوائح والمعدات، السلامة تبدأ من وعي يقظ، نفسٍ حاضرة، عقل ينتبه، قلب يخاف على الناس... قال تعالى: ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾؛ فوعيُ الإنسان هو أول معدات السلامة.

الوعي هو الفارق بين الحياة والموت؛ مما نحتاج إلى: بوسترات بسيطة، مقاطع قصيرة، حصص تطبيقية في المدارس، توعية في المساجد، إرشادات في الحافلات والأسواق... فالناس -كما يقول علماء السلوك- يتعلمون بالمشاهدة أكثر مما يتعلمون بالقراءة.

ختامانقول: السلامة شكر للنعمة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. كل بيت، متجر، ورشة، مدرسة، مستشفى... كلها تحتاج إلى مراجعة صادقة:هل حفظنا النفس؟ هل أدّينا الأمانة؟ هل أخذنا بأسباب النجاة؟
إن حفظ النفس؛ شكر لله، وإهمالها؛ جحود للنعمة. والله يحبّ من عباده من يعي، ويحتاط، ويحمي، ويُحيي حياة الآخرين معه.
حفظ الله سلامة البلاد والعباد، ودمتم سالمين!